مبالغة السلوك البشري


مبالغة السلوك البشري

قراءة دلالية قرآنية في ضوء علم اللغة النفسي

 

 اعداد :أ.د خميس فزاع عمير المحلاوي

Prof. Dr. Khamis Fazza’a Omair                                                                

 College of Education/ Al-Qaim Al-Anbar

 University Al-Anbar – Iraq

إن جوهر البحث هو الوقوف على قراءة بعض سمات بني ادم تحديدا التي تكشف أسراره، وقد تميز القرآن الكريم بكثرة استخدام الفاظ المبالغة وتوظيفها داخل السياق القرآن الكريم في حالاته جميعها: فرحًا وغضبًا، واقفًا وماشيًا، حزينًا وسعيدا ومنتصرا ومهزوما فاستعمل مثلاً(عَجُولاً) للتعبير عن إنسان قاصرٍ يعيش للِحْظتهِ، ولا يرى أَبعد من موضع قدميه فهو لا يستشرف المستقبل ولا يتعظ بما جرى له، واستعمل (يَئُوس كَفُور) في الشدّة، و(فَرح) مختال في الرخاء، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان القرار والطمأنينة فهو في خوفٍ مُستمِر وبناءاً على ذلك فَإنَّنا سنعمد في دراستنا الدلالية إلى مجموعة من الالفاظ التي تنتمي إلى موضوعنا لتقويمها بمنهج نقف فيه على المعاني التي تدل على اللفظة عارضين لما جاء في القرآن الكريم مبينين قدر استطاعتنا الدلالة المرادة والحكمة المقصودة والهدف المبتغى وصولاً الى أن ظاهرة المبالغة قضية تجاذبتها بالدراسة أقلام الدارسين من زوايا شتى فاللغوي يدرسها والبلاغي يُعنى بها والمفسِّر يتناولها والصرفي كذلك، وكلًّ يدلو بدلوه في هذا المصطلح مما جعل قضيَّة تحديد المصطلح لا تخلو من صعوبة تتمثل في تغيير مفاهيم المصطلحات بل وتناقضها أحياناً، الأمر الذي يجعل إبراز تلك المصطلحات وتعريفها واخضاعها لنصوص القرآن الكريم حالاً محفوفاً بالمزالق0

وقد استقامت خِطَّةُ البحث بعد استكمال مادته جمعاً ودراسة على مقدّمة، ومبحثين يسبقها تمهيد وتتلوها خاتمة.

عالج التمهيد الابعاد الدلالية للمبالغة، تعريفاً وبياناً وتحديداً

وتناول المبحث الأوَّل: فقد اختَصَّ بالسلوك الايجابي.

واما المبحث الثاني: فقد جعلته للسلوك السلبي.

وختمت دراستي هذه بخاتمة ذكرت فيها ما توصلت إليه من نتائج خلال البحث.

الكلمات المفتاحية: القرآن الكريم– المبالغة – السلوك- دلالة – البشر

الملخص باللغة الانكليزية

behavior: Quranic, statistic, and semantic survey in the light of psychological linguistics

The essence of the present research is to underline some of the features of Bani Adam( sons of Adam) specifically, which reveal their secrets. The Holy Quran is characterized by the use of hyperbole contextually in all its cases: joy, anger, standing, walking, sadness, happiness, victory and defeat. Accordingly, this study will be based on a group of words that semantically belongs to our subject to evaluate the methodology in which we underline the meanings that indicate the word viewing what is stated in the Quran. The research plan consists of an introduction and two sections preceded by a preface and followed by a conclusion. The preface deals with the dimensions of the semantic hyperbole in terms of definition and specificity. The first section deals with positive behavior. The second section tackles the negative behavior. The conclusion reiterate the findings of the research.

التمهيد :المبالغة تعريف وتحديد

إن جوهر البحث في علم الدلالة هو الوقوف على قوانين المعنى التي تكشف أسراره، وتبيّن السُّبل إليه وكيفية حركته ، لترقى الدلالة فتؤدي وظائف حضارية مهمة في الحياة وميادين العلوم، وآفاق الفن، وتغدو طيّعَة بين أيدي البشر([1]) ومما هو جدير بالذكر أن طبيعة البحث الدلالي عند المحدثين جعلتهم يغفلون جهود الدلاليين العرب القدامى ، فلم يأتوا على ذكرهم في سلسلة تطور الاهتمام الدلالي القديم ، ونحن وإن كنا نسلم أن علم الدلالة علم حديث النشأة نسبياً فهو يشير –غالباً- إلى دراسة معاني الكلمات إلا إننا وجدنا العلماء العرب المسلمين أغنوا جوانب كثيرة في هذا الميدان وخلفوا تراثاً رائعاً ساعد على معالجة مشكلات دلالية كثيرة ولغرض الإلمام بجوانب دراستنا الدلالية يجدر بنا أن نقف وقفة قصيرة على التطور الدلالي وأسبابه واتجاهاته بعيداً عن التوسع لأنّ مجال هذا الدراسة هو التطبيق العملي لا السرد النظري. ان دراسة دلالة المبالغة فيما يخص الفاظ السلوك البشري القرآنية لا تقتصر على بيان العلاقة بين الدال –وهو اللفظ- والمدلول –وهو الصورة الذهنية- بل لابدَّ من ملاحظة السياق ((وكأن هذا السياق هو الحقيقة الاولى ولاوجود للكلمات في خارجه))([2])، فاللفظ لا يعيش منعزلاً في المعجمات، وانما تستنج دلالته من خلال الاستعمال في مجموع النصوص، وتبقى دلالته في الاستعمال متصلة بالمعنى الاصلي، ويبقى السياق كاشفاً عن معنى محدد كامن من المعاني التي يحملها اللفظ خلال العصور([3]).وقد تميز القرآن الكريم بكثرة استخدام ابنية المبالغة وتوظيفها داخل السياق بحيث لا يمكن أن يستبدل بتلك الصيغة صيغة اخرى ولو فعلنا ذلك لأختل المعنى اذ ((إن كل مفردة وضعت وضعاً فنياً مقصوداً في مكانها المناسب، وأن الحذف من المفردة مقصود، كما ان الذكر مقصود، وان الابدال مقصود كما ان الأصل مقصود، وكل تغيير في المفردة أو اقرار على الأصل مقصود له غرضه))([4]).

وبناءاً على ذلك فَإنَّنا سنعمد في دراستنا الدلالية إلى مجموعة من الالفاظ التي تنتمي إلى موضوعنا لتقويمها بمنهج نقف فيه على المعاني التي تدل على الصيغة عارضين لما جاء في القرآن الكريم مبينين قدر استطاعتنا الدلالة المرادة والحكمة المقصودة والهدف المبتغى في ضوء معطيات النص القرآني، وما ذكره أولئك الرجال من شواهد فصيحة، لتحديد مسار المصطلح، وصولاً الى أن مبالغة السلوك البشري قضية تجاذبتها بالدراسة أقلام الدارسين من زوايا شتى، فهي حصيلة الجهود العلميّة لاختصاصات متنوعة، فلم تكن محددة في سلك علمي معين، فاللغوي يدرسها والبلاغي يُعنى بها والمفسِّر يتناولها والصرفي كذلك، وكلًّ يدلو بدلوه في هذا المصطلح فالمبالغة أسلوب اعتادته العرب لبيان الفكرة التي تتبع في محاورتها وكلامها في أحايين كثيرة، لأنّها لا ترى غيره يصلح لإيصال ما في القلوب من المعاني بالشكل الذي تريده، ذلك ما أكدته نصوص القرآن الكريم إذ إنّه خاطب العرب الفصحاء فلا بدّ أن يسير على طرائقهم واساليبهم في التعبير، وما ذكر عن مصطلحات عن المبالغة يمكن التفريق بينها عن طريق السياق الذي وردت فيه الفكرة.

المبحث الاول: المبالغة في السلوك الايجابي

ويتضمن هذا المبحث خمسة أبنية، وردت كلّها في القرآن الكريم، وأشار إليها أهل اللغة قديماً وحديثاً، جاء في شرح التصريح ((تحول صيغة (فاعل) للمبالغة في الفعل والتكثير منه إلى خمسة أوزان… وتسمى هذه الخمسة أمثلة المبالغة))([5])، ويمكن تقسيمها مرتبةً على وفق الحروف الهجائية فيما يأتي:

   أولاً/ فـَعَّال:

بفتح الفاء وتشديد العين، ياتي هذا البناء اسماً وصفةً.

فالاسم نحو: قَذَّاف وجَبَّان، والصفة نحو: شَرَّاب ولبَّاس ورَكَّاب([6]).

يحسن النظر إلى هذا البناء من خلال ما ذكره الصرفيون من تقويم لقوّة الدلالة وتفاوتها بين أبنية المبالغة، فهم يشيرون إلى أنّ هذه الصيغة أقوى في تحقيق الغرض من غيرها، فإذا كانت المبالغة تفيد التنصيص على كثرة المعنى كمّاً وكيفاً فإن الكثرة المستفادة من (فَعَّال) أشدّ من غيرها([7])، وهي معدولة أصلاً عند الصرفيين لكلّ إرادة من إرادات المبالغة:

ويتضمن هذا المبحث الفاظا، وردت كلّها في القرآن الكريم، وأشار إليها أهل اللغة قديماً وحديثاً، يمكن تقسيمها مرتبةً على وفق الحروف الهجائية فيما يأتي:

  • أوب

تحققت دلالة هذا الجذر على المبالغة على وزن (فَعّال) واستعملها القرآن الكريم في خمسة مواضع([8]) قال تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً)([9])، وفسّر أهل التفسير هذا البناء: بالرجّاع الى ربّه الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وسبب حمله على (فَعّال)، لأنّ في البناء معنى المبالغة، فالعبد يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.. .. وهكذا، جاء في السراج المنير ((.. أي رجّاع إلى مرضاة الله تعالى والأوّاب فعّال من آب يؤوب إذا رجع، وهذا بناء مبالغة، كما يقال: قتّال وضرّاب وهو أبلغ من قاتل وضارب))([10]) .

قال تعالى: ( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)([11])،

وقال تعالى: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)([12])،

وقال تعالى: ( وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)([13])، فّلما كانت مقالة المشركين تقتضي الاستخفاف برسول الله محمد وأتباعه، أمر الله نبيه بالصبر على أذاهم، وذكر قصصاً للأنبياء داود وسليمان وأيوب وغيرهم وما عرض لهم فصبروا حتّى فرّج الله عنهم، وصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر فيؤول أمرك إلى أحسن مآل([14])، ذلك الأمر الذي يتطلب من صاحبه أن يكون رجّاعاً إلى الله، قال تعالى: ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)([15]).

يقول الزمخشري: ((الأوّاب كالتوّاب، وهو الكثير الرجوع إلى الله تعالى وطلب مرضاته، ومن عادته ان يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه))([16]).

تلك الصفة التي مَنَّ الله بها على أنبيائه وأوليائه لكثرة رجوعهم إليه.

مما تقدم يتضح لنا أنّ الاستعمال القرآني لـ(أوّاب) دلّ على تخصيص المعنى العام: وهو الرجوع عن الذنب إلى التوبة بعد أن كان يدل على المعنى العام وحده وهو الرجوع مطلقاً.

  • أوه

بناء المبالغة من هذا الفعل على وزن فَعّال، وقد اقترن استعماله القرآني صفة لسيدنا إبراهيم (عليه السلام) مع وصف (الحليم) وذلك في موضعين:

قال تعالى: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)([17]) .

قال أبو حيّان (ت745هـ): ((أوّاه: كثير قول أوّه، وهي اسم فعل بمعنى أتوجّع، وزنه فعّال للمبالغة فقياس الفعل أن يكون ثلاثياً، وقد حكاه قطرب على: آه يؤوه أوها كقال يقول قولاً، ونقل عن النحويين أنهم أنكروا ذلك، وقالوا ليس من لفظ أوه فعل ثلاثي إنّما يقال أوّه تأويهاً وتأوّه تأوّهاً))([18]) .

وقد أدّى الاختلاف في أصل الاشتقاق الى الاختلاف في دلالة اللفظ، فعن ابن مسعود (ت 32هـ) أنّ الأوّاه: الدّعاء لمن يكثر الدعاء، وعن الحسن البصري ت110هــ: الرحيم بعباد الله، وعن ابن عبّاس t أنه المؤمن، وقيل المتأوّه بلغة الحبشة: المؤمن المتضرّع الخاشع وتلك المعاني لم تُعرف في الجاهلية بل عرف اللفظ: بخروج الصوت مع النفس من التوجّع لينفرج عنه ما به من ألم وضيق([19]).

وإننا لنجد في الحوار الذي دار بين إبراهيم وأبيه المشرك ما يوضح لنا دلالة (أوّاه) قال تعالى على لسان ابراهيم: ( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً* يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً*يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً*يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً)([20])، فهو يناشد أباه أربع مرّات في هذا السياق أن يدع الأصنام ويسلم وجهه لله في أسلوب يسيل أدباً وعذوبةً، وآخر مناشداته له: ( يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً)([21])، فيكون الرد الجافي والقاسي: ( قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً)([22])، لقد تهدّد ابنه بالرجم إذا بقي على العقيدة الصحيحة وطرده بعيداً عنه، ولا شكّ في أنّ سياق الآية التي ورد فيها البناء لا يبعد كثيراً عن الاحتمالات الدلالية التي ذكرها المفسرون فهو الكثير لذكر الله، والخاشع والمؤمن والدّعاء للخير والدائم التسبيح([23])، فهو مبالغ في التأوّه من فرط الرحمة ورقّة القلب، وذلك مناسب للوصف المقترن به (حليم) فهو صبور على ما يعترضه من الأذى.

وليس خافياً أن دلالة اللفظ جاءت مختلفة عمّا عرفت به في اللغة قبل نزول القرآن الكريم فقد تمثلت بخصلة مقترنة بصفة (الحلم) للدلالة على الرحمة وإظهار خشية الله تعالى.

  • توب

وتحقق بناء المبالغة من هذا الجذر على زنة (فَعّال) وورد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرّة، واقترن بلفظ (رَحيم) تسع مرات وبلفظ حكيم مرّة واحدة، وجاء مرّة بطلب الاستغفار وأخرى استعمل صفة للمخلوق([24]) ولم يخرج المفسرون عمّا ذكره المعجميون، فالتوّاب عندهم مَنْ تاب على عباده المذنبين، وآب عليهم من الغضب إلى الصفح([25])، فقد ورد صفة للخالق جلّ وعلا قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً)([26]) ، وقوله تعالى: ( هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ، وقبوله التوبة لا يرجع إلى رقّة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر وإنما لمحض الاحسان والتفضل على العبد، ولذا كان سبحانه مستحقّاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف نفسه بأنّه توّاب لا تائب، يقول الزمخشري: ((المبالغة في التواب دلالة على كثرة من يتوب إليه من عباده، أو لأنّه ما من ذنب يقترفه إلا كان معفوّاً عنه بالتوبة أو لأنّه بليغ في قبول التوبة، نزّل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه))([27])، فالذين يتوبون اليه يكثر عددهم، فاذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في الوصف، ولما كان قبول التوبة مع ازالة العقاب يقتضي حصول الثواب من جهة رحمته فقد وصف ربُّ العالمين نفسه بالرحيم مع كونه توَّابا([28])، قال تعالى: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)([29])

وقد عدَّ ابن عاشور التعقيب بذكر الرحمة جارياً مجرى الصلة للتوّاب لانَّ قبوله تعالى التوبة من عباده ضرب من الرحمة بهم، والا كانت التوبة لا تقتضي الا قطع التائب نفسه بعدم العودة الى الذنب حتى تترتب عليه الآثام، أما الأثم المترتب فكان العدل أن يتحقق عقابه لكن رحمته تعالى سبقت العدل هنا بوعدٍ منه([30]).

ويبدو أنَّ اختلاف الدلالةِ الصرفيّةِ لبناء (تَوّاب) وبناء (تائب) يعني أنَّ العبد تائب والله توّاب، قال الزجاجي (ت 338هـ): ((فجاء توّاب على أبنية المبالغة لقبوله توبة عباده، وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة وواحداً بعد واحدٍ على طول الزمان وقبوله ممَّن يشاء أن يقبل منه، فلذلك جاء على أبنية المبالغة، فالعبد يتوب إلى الله –عز وجل- ويقلع عن ذنوبه والله يتوب عليه أي يقبل توبته فالعبد تائب والله توّاب))([31])

وقال القرطبي (ت 671هـ): ((وإنَّما قيل توَّاب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه وإنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأنه المتفرد بخلقها))([32]).

  • صبر

تمثلت صيغة المبالغة من هذا الجذر على زنةِ (فَعَّال) أربَع مرات([33]) في كتاب الله: قال تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)([34]).

وبناء (صَبَّار) معدول عن (صابر) لافادة المبالغة في معنى جهاد النفس وحبسها عن المعصية، وترك الشكوى لغير الله، فهو يدل على معنيين:

  1. تطلق على من فعلها مرة بعد اخرى، جاء في الفروق في اللغة: ((اذا فعل الفعل وقتاً بعد وقت قيل له (فـَعَّال) مثل علاّم، وصَبَّار))([35]).

وقال الرضي عن بناء (فـَعَّال): ((وهذا البناء يقتضي المزاولة والتجديد، لأنّّ صاحب الصنعة مداوم على صنعته، ملازم لها))([36]).

  1. يؤتى بهذه الصفة اذا كانت ملازمة للشخص واتخذها حرفةً له أو صنعة([37])، والحاصل من هذا ((أنّ صيغة (فـَعَّال) تدل على الحرفة والصناعة وتقتضي الاستمرار، والتكرار، والاعادة، والتجدد، والمعاناة، والملازمة))([38]).ومن هنا نرى ان صيغة (صَبَّار) هي صفة للشخص الملازم للصبر، المعتاد عليه، الذي اتخذه صفة له.والذي يدقق في سياق الآية يجد ان تلك المعاني ملازمة للبناء، اذ ورد بناء (صَبَّار) مع سيدنا موسى عليه السلام حيث أمره ربه ان يخرج قومه من الظلمات إلى النور، ولا ريب أن موسى عانى كثيراً باخراج قومه من الظلمات إلى النور، عانى من فرعون وملئه، وعانى من قومه أيضاً، والذي يتحمل تلك المعاناة هو (صَبَّار) وقال تعالى: ( إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)([39]). فقد سبق هذه الآية بعض من أدلة وحدانية الله، ومنها السفن الجارية في البحر لما فيها من عظيم قدرته، حيث ان الماء جسم لطيف شفاف يغوص فيه الثقيل، ومع ذلك جعل للماء قوة تحملها، ثم جعل الرياح سبباً لسيرها فكأنه قيل: وما تلك الآيات؟ فذكر ما يخوفهم منها، فاذا اراد ان يسكن الريح فلا تبرح عن مكانها فتركد في البحر، وقوله: (فيظللن)، قال ابن عباس: لا يتحرَّكْنَّ، ولا يَجْرِيْنَ في البحر، وفي ذلك آيات أي دلالات وعلامات لكلّ صبّار على البلوى([40]).

وان التناظر لواضح بين حال الذين يكونون في تلك الفلك، وبين بناء (صبَّار) لان الذين يعانون الرعب في تلك الفلك الواقفة في وسط البحر، التي يمكن ان تنتهي إلى الغرق، مَثَل شدتهم وصبرهم على هذا الامر المرعب كمثل أولئك الذين يلاقون من المصائب ما يناسب ان يوصفوا معه أنهم (صبّارون).

وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)([41]).

وصيغة (صَبّار) أبلغ لزيادة حروفها يقول الآلوسي: ((وكلا الوصفين بني بناء مبالغة، وفَعّال على ما في البحر أبلغ من فَعُول لزيادة حروفه، قيل: وقد اختيرت زيادة المبالغة في الصبر إيماءاً إلى ان قليله لشدة مرارته، وزيادة ثقله على النفس كثير))([42]).

وليس خافياً ان القرآن الكريم استعمل المعنى اللغوي لصيغة (صَبّار)، وهو الحبس فضلاً عن تخصيص الصيغة نتيجة اضافة بعض الملامح المتميزة لأغراض بلاغية، تخصصت بحصرها في معنى حبس النفس عن المعصية والاستسلام لأمر الله تبارك وتعالى([43]).

  • قوم

ورد هذا البناء(قَوَّام) في ثلاثة مواضع([44])، قال تعالى:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)([45]).

وهو مبالغة في القيام على الامر بمعنى حفظه ورعايته أي يقوم عليهنَّ قيام الولاة على الرعية فهم يقومون على النساء بالحفظ والرعاية والأنفاق والتأديب، قال ابو حيان: ((قوّامون: مسلّطون على تأديب النساء في الحق، ويشهد لهذا القول طاعتهن لهم في طاعة الله، وقَوَّام صفة مبالغة، ويقال القيام وقيم وهو الذي يقوم بالامر ويحفظه))([46])

وسياق المقام يؤيد ذلك فقد روي أنّ سعد بن الربيع، وكان نقيباً من نقباء الانصار نَشَزَت عليه امرأته (حبيبة بنت زيد) فلطمها فانطلق ابوها معها إلى رسول الله r فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقام النبي r ليقتصَّ منه فنزلت الآية (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)([47]).  

فقال الرسول r : ((أردنا أمراً واراد الله أمراً، والذي أراد الله خير))([48]) ))([49]) ولعل المبالغة في الوصف تؤكد لنا تفضيل الرجال لكمال العقل وحسن التدبير ورزانة الرأي ومزيد القوّة ولذلك خُصّوا بالنبوة والامانة والولاية والشهادة وغير ذلك([50]).

  • لوم

وقد سلك هذا الجذر المبالغة على زنة (فـَعَّالة) في قوله تعالى:

( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)([51]).

واللوَّامة: صيغة مبالغة من اللوم، وتعني شدة التأنيب والمواخذة، فالنفس اللوّامة، هي التي لا تزال تلوم نفسها وان اجتهدت في الاحسان، قال ابن عاشور: ((ووصف اللوّامة مبالغة لانها تكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة))([52]).والبناء يدل على التكرار والتجديد، اذ ان النفس في حركة ونشاط دائم ومتجدد، فهي متيقظة حذرة خائفة، قال أبو حيان: ((وكل نفس متوسطة ليست بمطمئنة، ولا أمّارة بالسوء فأنها لوامة في الطرفين، مَرَّة تلوم على الطاعة، ومرَّة تلوم على فوت ما تشتهي، فاذا اطمأنت خلصت وصفت))([53]).وهي صفة مدح في النفس التي اكتسبت بعض الفضيلة، وعلى هذا يجيء القسم بها سائغاً حسنا،ً فالمؤمن لا تراه الا لائماً لنفسه([54]).

ثانيا/ فَعُول:

بفتح الفاء، وضم العين وذكر الصرفيون أنّ هذا البناء يأتي اسماً وصفة، فالاسم نحو: عَمود وخَروُف، والصفة نحو: صَدُوق وكَفُور([55])، قال السيوطي ((… والعرب تبني أسماء المبالغة على اثني عشر بناءً منها فَعول كغَدُور))([56])، ويأتي هذا البناء مصدراً لكنّه غير مُطّرد في العربية، فقد ذكرت له أمثلة معدودات في كتب اللغة ورد لهذا البناء في القرآن الكريم :

  • حصر

بناء المبالغة من هذا الفعل (حَصُور) قد ورد في آية واحدة، قال تعالى: ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ)([57])

وللمفسرين في دلالة هذا البناء قولان: فيرى أصحاب الرأي الاول أنّ (حصوراً) (فَعُولٌ) بمعنى (مفعول) قال ابن قتيبة: ((الحَصُور: الذي لا يأتي النساء، وهو فـَعُول بمعنى مفعول: كأنّهُ محصور عنهن، أي مأخوذ محبوس عنهن، وأصل الحصر: الحبس، ومثله ما جاء فيه فعول بمعنى مفعول، رَكوب بمعنى مركوب، وَحَلوب بمعنى محلوب وهَيُوب بمعنى مهيوب))([58]) وتابعه في ذلك ابن الجوزي([59])، في حين ذهب آخرون الى أنَّ: ((حَصُورا: بمعنى (حاصر) أي الذي يبالغ في حصر نفسه عن النساء والشهوات لا للعجز بل للعفة والزهد فهو حاصر لنفسه، أمام نزواتها وشهواتها، قال الزمخشري: ((الحصور الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه، أي منعاً لها من الشهوات))([60]) 0

والذي أميل إليه وأرجحه في هذا الصدد أنَّ دلالة (حَصُور) في هذه الآية بمعنى (حاصر) لا (محصور) لأنَّ السياق الذي ورد فيه البناء جاء في مقام مدح، وما قيل انه بمعنى المحصور يعد نقيصة وعيباً لا يليق بمن وصفه الله بهذه الصفة، وهي أنه كان يحصر نفسه عن الشهوات ويملك زمام نزعاته من الانفلات، يقول الرازي راداً على من قال (حَصور) بمعنى (محصور): ((….وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأنَّهُ على هذا التفسير لا يستحق ثواباً ولا تعظيماً وعلى هذا: الحَصُور بمعنى الحاصر (فَعُول) بمعنى (فاعل) ))([61]).

ومما تقدم يظهر أَنَّ دِلاَلَة (حَصُور) في الاستعمال القرآني تَمَثَّلتْ بالذي حبس نفسه عن الشهوات فهو لا يأتي النساء مع قدرته على ذلك، والصلة واضحة بين هذه الدلالة وأصل الحصر المعروف بالحبس والتضييق عموماً، فاللفظ قد خُصِّص كما هو واضح.

ثالثا: فِعّيل

يأتي هذا البناء اسماً وصفة، فالاسم نحو: السِكّين، والبِطّيخ، والصفة نحو: الشِرّيب، والفِسّيق، وهذا البناء سماعي ((ما كان على فِعّيل فهو مكسور الأول، لا يفتح منه شيء، وهو لمن دام منه الفعل، نحو: رجلٌ سِكّير: كثير السُكُر، وخِمّير: لكثير شرب الخمر، وفِخّير: لكثير الفخر، وعِشّيق: لكثير العشق، ومثل ذلك كثير))([62]).

يستعمل هذا الوزن للدلالة على المولع بالفعل فيديم العمل به او يكون له عادة، جاء في ديوان الأدب : ((الشِرّيب المولع بالشراب… والسِكّيت الدائم السكوت والصِمّيت الدائم الصمت…العِبّيث الدائم العبث والخِمّير الدائم الشرب للخمر والسِكّير الدائم السكر))([63]).

ما جاء على بناء فِعّيل في القرآن الكريم:

  • صدق

جاء منه بناء المبالغة على زنة (فِعِّيل) في ستةمواضع([64])، قال تعالى:(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)([65]) فالصدّيق: هو من آمن بالله ايماناً مطلقاً، وبلغ في ايمانه مبلغاً عالياً، مصدّقاً بكل آية من آياته وبكل ما سمع من رسول الله غير مرتاب في شيء من ذلك ولا متوقف عند شيء سواء عقله او لم يعقله وافق هواه او خالفه، والصدَّيقية مرتبة تحت مرتبة النبوة فجعل الله درجة الصدّيقية معطوفة على درجة النبوة لأنها الرتبة التي تلي مرتبة النبوة في التفضيل وصِدِّيق من أبنية المبالغة([66])، يدل على كثرة وقوع الصدق من صاحبه الذي اشتهر بذلك، ولم يجرَّب عليه كذب، واستوى في الصدق ظاهره وباطنه، أي بلغ الغاية في الصدق ((والمراد فَرْط صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله))([67])

وجاء في زاد المسير ((الصدّيق: الكثير الصدق كما يقال: فِسّيق وسِكّير وشِرِّيب وخِمِّير وسِكِّيت وفِجيِّر وعِشِّيق وضِلِّيل وظِلِّيم اذا كثر منه ذلك ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرة حتى يكثر من ذلك او يكون له عادة))([68]).

قال تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً)([69]) حيث استعمل بناء (فِعّيل) للدلالة على المولع بالصدق فيديم العمل به، قال الرازي: ((صِدّيق مبالغة في كونه صادقاً، وهو الذي يكون عادته الصدق لأنَّ هذا البناء ينبيء عن ذلك، يقال رجل خِمِّير وسِكّير للمولع بهذه الافعال))([70]) ولفظ صٍدّيق تحتمل معنى أنه كثير الصدق وأنَّه كثير التصديق وكلتاهما تتناسب مع ابراهيم علي السلام([71]) وجاءت درجة المبالغة في هذا المقام لأنَّ الصدق خلق نبيل سام يرتقي به صاحبه إلى درجة عالية ومما يعزّز ذلك قول النبي محمد r: ((عليكم بالصدق فانّ الصدق يهدي إلى البرّ وانّ البرّ يهدي الى الجنة ولايزال الرجل يصدق ويصدق حتى يكتب عند الله صِدّيقاً))([72]).

وقد اشتهر بناء (الصدّيق) علماً على الخليفة الراشد أبو بكر الصدّيق، يقال: إنَّما سمي صديقاً لتصديقه النبي r حين قيل له: إنَّ صاحبك يزعم أنه أتى بيت المقدس في ليلة وانصرف فقال: إن كان قال فقد صدق([73])، وقد أخرج البخاري عن أنس t أن رسول الله صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم) فرجف بهم، فقال النبي r: ((اثبت أُحُد فإنما عليك نبي وصِدِّيق وشهيدان))([74]).

المبحث الثاني: المبالغة في السلوك السلبي

بعض أبنَية المبالغة جاءة مبينة صفة بني ادم بصورة سلبية  والتي وردت لفظا ًمنصوصاً معيناً، دلالة على المبالغة والتي يقوم مبدؤها على الجانب الاستقرائي ويمكن تفصيلها فيما يأتي:

اولا:فعال:

  • أفـــك

وصورة المبالغة في هذا الجذر (أفَّاك) قد وردت مرتين: قال تعالى:

( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)([75])

يقول أبو حيان: ((…وهو كثير الافك، وهو الكذب، (أثيم)، كثير الأثم، فأفّاك أثيم صيغتا مبالغة، والمراد الكهنة))([76]).

قال تعالى: ( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)([77]).

قيل: انها نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشتري من أحاديث الاعاجم، ويشغل بها عن استماع القرآن، والآية عامة فيمن كان مضاراً لدين الله، و( أفاك أثيم) مبالغة([78]).

وقد تخصص استعمال مجازي لذلك البناء في القرآن الكريم لما قبح من الكذب فـ((الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء واشنع صور البهتان))([79]) فهي صفة مبالغة تفيد بلوغ النهاية في صفة الكذب، اذ ان لفظة (أفك) ليس فيها ما يشير الى كثرة الافك أو قلته، فإذا قيل (آفّاك) ازداد المعنى قوة ومبالغة.

  • اكل

وقد تمثلت صورة المبالغة من هذا الجذر اللغوي على زنة (فَعّال) مرة واحدة في قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)([80]) .

وفي البناء (أكّال) دلالة على من يبالغ في أكل المال الحرام، أو يستأكل الضعفاء فيأخذ أموالهم، والمعنى أنّ أولئك القوم ((أخّاذون له لأنّ الأكل استعارة لتمام الانتفاع))([81]) .

والبناء يدل أيضاً على المبالغة في تكرير الفعل، قال ابن عطية: ((أكّالون للسحت: (فعّالون) بناء مبالغة، أي يتكرر أكلهم له ويكثر))([82]) .

مما تقدم يتبين لنا أنّ كتاب الله أكسب هذه الصيغة معنى مجازياً لمن يتعاطى المال الحرام على سبيل المبالغة.

  • أمــــر

وبناء المبالغة من هذا الجذر ورد على زنة (فَعَّالة) وصفاً للنفس الانسانية في موضع واحد، قال تعالى:

( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)([83]).

وقد ورد ذلك على لسان يوسف عليه السلام حين قالها على وجه التواضع، قال الزمخشري: ((أراد ان يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وبحالها معجباً ومفتخراً))([84]).

والامَّارة (صيغة مبالغة) من أمر في ذم النفس بسبب الاكثار من أمر السوء وقوعاً وفعلاً، وقد نص الرازي على ذلك فقال: ((وكونها أمَّارةٌ بالسوء يفيد المبالغة، والسبب فيه ان النفس من اول حدوثها قد ألفت المحسوسات، وعشقتها، فأما شعورها بعالم المجردات، وميلها إليه فذلك لا يحصل إلا نادراً في حقِّ الواحد، وذلك الواحد انَّما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الاوقات النادرة، فلما كان الغالب انجذابها إلى العالم الجسداني، وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادراً، لا جرم حكم عليها بأنها امارة بالسوء))([85]).

فالرازي قد أعطى صفة (الأَمَّارة) لهذه النفس نتيجة المبالغة في انجذابها إلى العالم الجسداني في اطاعة الشهوات، وفي جعل العقل هو المخدوم والمنساق وراء تلك الشهوة، فالنفس أذعنت وأطاعت لمقتضى الشيطان ودواعيه، ورغبت في المعصية وانَّها مجمل الرغبات والأهواء والمشتهيات والمحرمات، وهي أداة لتكيف الأخطاء والانحرافات والنزعات الذاتية التي تعصف بالانسان.

وبناء (فَعَّالة) يبين لنا أَنَّ النفس لاحَدَّ لها في المطالب، فمن لبّى لها مطلباً وقع في المهالك، فلو فتح لها باب المباح لطلبت مباحاً آخر حتى إذا انتهت المباحات وقعت في المعاصي، ومن يسمح لها في معصية طالبته بأخرى حتى لا تترك معصية إلاّ طالبت بها لأنّها مبالغة في السوء وأنّ السوءَ حرفَتُها وصنْعتُها.

  • جبر

وقد ورد من هذا الجذر بناء (فَعّال) في القرآن الكريم عشر مرات([86])، ولكل موضع دلالته التي احكمها السياق على الرغم من تضمنها المعنى الأصلي.

ورد بناء (جبّار) وصفاً مذموماً للمخلوقين، قال تعالى: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ)([87]) وجَبّارين: جمع جَبَّار وهو الشديد في غير الحق، والمعنى إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر أي المبالغة في الاذى، وشأن العقوبة ان تكون في حدِّها المناسب للمذنب المقترف ذنباً والمعاقب عليه لكي لا يكون تفريط ولا افراط، ذلك يعني استخفاف الجبار بحقوق الخلق([88])، وورد ذلك في سياق القوم الذين آذوا رسول الله نوحاً (عليه السلام)، فجاء بصيغة (فَعَّال) الدالة على المبالغة في اعتياد الامر من اولئك النفر القتّالين بغير حق المعتدين بجبروتهم وطغيانهم على عباد الله المؤمنين جاء في المفردات:((الجبار: في صفة الانسان لمن يجبر نقيصتَهُ بإدعاء منزلة من التعالي لا يستحقها وهذا لا يقال الا عن طريق الذم))([89]).

وقال تعالى: ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)([90]) وقال تعالى: ( وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً)([91]) فهذه الصفة اذا اتصف بها الانسان تكون على سبيل التكلف، والموصوف بها من جهة البشر مذموم على وجه المبالغة، فالانسان مهما اوتي من سعة في العلم وبَسْطَة في الجسم اذا لم يكن مؤمناً عارفاً قدر نفسه واقفاً عند حدود الله فانه يتصرف مع خلق الله بلا وازع من دين يوقظه عندها يكون مبالغاً في بطشه وجبروته معتاداً على فعله، فلا يوصف الانسان بـ(جبار) الا بعد كثرة ظلمه وتسلطه على الآخرين مرة بعد أخرى بغير روية، ….وهي صفة ذميمة في الانسان لأنَّهُ مخلوق مقهور من قبل القَهّار ولذلك نفى الله سبحانه وتعالى تلك الصفة عن رسول الله r فقال سبحانه: ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ)([92]).

  • حلف

وقد ورد بناء المبالغة من هذا الفعل على صيغة (فـَعَّال) مرّة واحدة قال تعالى:

( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ)([93])

والحلاّف: الكثير الحلف وشديده في الحق والباطل([94])، ولم تستعمل في القرآن الكريم الا في معرض اليمين الكاذب، قال ابن عاشور: ((والحلاّف: المكثر من الايمان على وعوده  واخباره، وأحسب أنه اريد به الكناية عن عدم المبالاة بالكذب والأيمان الفاجرة، فجعلت صيغة المبالغة كناية عن تعمد الحنث، وإلا لم يكن ذمه بهذه المثابة))([95])

وهي صفة ذميمة لا ينبغي للانسان الذي يتحرى الصدق ان يطيع من اتصف بها.

وقد ((قدم من اوصاف الذم صفة حَلاّف فرسم الجو كله برسم الكذب، وشحنه بالحقارة، ومن ثم اتبعه بالصفات الذميمة الاخرى بعد ان مهد له التمهيد النفسي الملائم))([96])

وبذلك خَصَّص الاستعمال القرآني بناء (حَلاّف) بدلالته على اليمين الكاذبة، على حين كان العرب لا يفرقون بين الحلف والقسم، وذلك من مظاهر التطور الدلالي وهو التحويل في الاستعمال من المعنى العام إلى المعنى الخاص.

  • خـتـر

في القرآن الكريم ورد بناء المبالغة من هذا الجذر على وزن (فـَعَّال) مرة واحدة قال تعالى: ( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)([97])

والخَتَّار الشديد الغدر والكَفور الشديد الكفر، وهذه المبالغة تليق هنا بمن يجحد آيات الله بعد هذه المشاهد الكونية ومنطق الفطرة الخالص الواضح المبين([98])، قال ابن عباس t في خَتَّار: (( الغَدّار الغشوم الظلوم))([99]) وقد تناسب قوله تعالى: (ختّار كفور) مع الفاصلة الاخرى ( صَبّار شكور) قال ابو حيان: ((… وختم هنا ببنيتي مبالغة وهما (خَتّار) و (كفور) فالصبار الشكور معترف بآيات الله، والختّار الكفور يجحد بها وتوازنت هذه الكلمات لفظاً ومعنى. أما لفظاً فظاهرُ، واما معنى، فالخَتّار هو الغَدَّار، والغدر لا يكون الا من قلة الصبر لأنّ الصبّار يفوّض امره إلى الله، وأمّا الغَدَّار، فيعاهد ويغدر فلا يصبر على العهد، وأمَّا الكفور فمقابلته بمعنى الشكور واضحة))([100]).

وواضح مما ذكرنا ان دلالة اللفظ في الاستعمال القرآني تمثلت بشدّة الغدر، وبذلك جاءت موافقة لدلالتها اللغوية، في حين يعم اليوم استخدام لفظة (غدّار) بدلاً من (خَتّار) في التعبير عن المبالغة في الغدر.

  • خرص

جاء الاستعمال القرآني بصيغة الجمع من (فعَّال) مرة واحدة في قوله تعالى:

( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ، يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ)([101])

والخرّاصون: الكذابون المقدّرون ما لا يصح وهم اصحاب القول المختلف([102])، فدلالة (خرّاص) تتمثل بالمبالغة في الكذب الناشئ عن الافتعال والظن والافتراء اذ ان ((كلَّ قول مقول عن ظنٍّ وتخمين يُقال خَرْصٌ سواء كان مطابقاً للشيء او مخالفاً له من حيث ان صاحبه لم يقل عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل الخارص في خرصه))([103]).

ومن المفيد ان نقول ان دلالة الخرص ما زالت على القديم في لغة النخيل في العراق وغير النخيل من الشجر المثمر، ثم ان العربية المعاصرة قد احتفظت بالتخرص لمجرد الظن غير المستيقن منه([104]).

  • خون

وقد سلك هذا الجذر المبالغة بصيغة (فـَعَّال) وذلك في موضعين قرآنيين:

قال تعالى: ( وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)([105]).

فقد ورد ضد الامانة التي يؤتمن عليها، وذلك في سياق المقام الذي وردت فيه الآية المباركة التي نزلت بحق (طعمة بن ابيرق) احد بني ظفر إذ روي أنه سرق درعاً من جارٍ له اسمه قتادة بن نعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق فيه، وَخَبَّأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف بعدم اخذه لها، وما له بها من علم، فتركوه واتبعوا اثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلى طعمة، وشهد له ناس من اليهود، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله، لنسألَه ان يجادل عن صاحبنا، وقالوا: ان لم تفعل ذلك هلك وافتضح وبرىء اليهودي، فهم رسول الله ان يفعل وان يعاقب اليهودي، وقيل هم ان يقطع يده فنزلت الآيات([106])، قال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً، وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)([107]).

فالخوّان: هو طعمة المذكور آنفاً ويشمل كل من سار على طريقته، وأتى في النص القرآني بصيغة المبالغة في الخيانة والاثم، ليخرج منه من صدرت منه الخيانة على سبيل الغفلة وعدم القصد وفي صفتي المبالغة (خَوّاناً أثيما) دليل على افراط في الخيانة وارتكاب المآثم([108])، واصرار على ذلك، فقد روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتدَّ ونقَّب حائطاً بها ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله([109])، والله لا يحب من كان مبالغاً في الخيانة مصرّاً عليها، يقول الآلوسي: ((وتعليق عدم المحبة والمراد منها البغض، والسخط بصيغة المبالغة ليس لتخصيصه بل لبيان افراط بني ابيرق وقومهم في الخيانة والأثم))([110]).

وانا نحس في بناء (فـَعّال) تعبيراً صارماً يفوح منه الغضب للحق والغيرة على العدل، وتشيع في جَوِّ الآيات….فهم خانوا غيرهم في الظاهر، ولكنهم في الحقيقة خانوا انفسهم، فقد خانوا الجماعة ومنهجها ومبادئها التي تميزها وتفردها، وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها وهم منها ثم هم يختانون انفسهم في صورة اخرى صورة تعرض انفسهم للاثم الذي يجازون عليه شر الجزاء، إذ يكرههم الله، ويعاقبهم بما اثموا وهي خيانة للنفس من غير شك….

وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم وهي تلويث هذه الانفس وتدنيها بالمؤامرة والكذب والخيانة([111]).

وثاني المواضع التي ذكر فيها (خَوَّان) قوله تعالى:

( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)([112])

يقول الآلوسي: ((وصيغة المبالغة فيها لبيان أنَّ المشركين كذلك لا للتقييد المشعر بمحبَّتةِ الخائن والكافر أو لأنَّ خيانة أمانة الله تعالى وكفران نعمته لا يكونان حقيرين وإنما هما امران عظيمان او لكثرة ما خانوا فيه من الامانات وما كفروا به من النعم أو للمبالغة في نفي المحبَّة على اعتبار النفي أولاً وايراد معنى المبالغة ثانياً))([113]).

فـ (خوّان) بناء أبلغ، وانما كان كذلك لعظم اثم تلك الخيانة فهي مرض بغيض تمجُّه الأذواق وتعافه الأنفس السويَّة وهو افتعال دال على التكلف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة والله اعلم.

  • سمع

تمثلت صورة المبالغة من هذا الجذر على وزن(فَعّال)، ورد ذلك في ثلاثة مواضع قرآنية([114]) ، قال تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)([115]) .

قال ابن عطية: ((صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأنّ جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة إذ المراد أنّهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع))([116]) ، وفي البناء دلالة على تكرار ذلك الوصف مع تعمد وتجسس على صورة المبالغة، و (السّماع) بمعنى المطيع في قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)([117]) .

و(السمَّاع) الكثير السمع، أي الاستماع لما يقال له، والسمع مستعمل في حقيقته، أي أنهم يصغون الى الكلام الكذب وهم يعرفونه كذباً، أي أنهم يحفلون بذلك ويتطلبونه فيكثر سماعهم إياه، وفي هذا كناية عن تفشي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق، لأنّ كثرة السمع تستلزم كثرة القول([118]) .

  • كفر
  1. فَعَّال:

ذكر بناء (كفّار) خمس مرات([119]) في القرآن الكريم، قال تعالى:

( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)([120]).

قال ابوحيان: ((وأتى بصيغة المبالغة في الكافر والآثم، وان كان تعالى لا يحب الكافر، تنبيهاً على امر الربا ومخالفة الله ، وقولهم: ( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) وانه لا يقول ذلك ويسّوي بين البيع والربا ليستدل به على أكل الربا الا مبالغ في الكفر، ومبالغ في الاثم، وذكر الاثيم على سبيل المبالغة والتوكيد من حيث اختلف اللفظان))([121]).

فجاءت المبالغة على بناء (فـَعَّال) الذي يدل على الحرفة والصناعة، ويقتضي الاستمرار والتكرار والاعادة والتجدد، وهو تعبير مؤثر في جانبه السلبي بالمحق والايجابي بزيادة الخير والبركة في الصدقات، ولكن جو المحق والأثرة السائد اقتضى ان يعقب القرآن بكراهية الله للذين يحلون الربا وكفرهم وتأثيمهم([122]).

وقد اختار الباري عز وجل بناء (كفاّر) في سياق تحريم أكل الربا تنبيهاً على فظاعة اكل الربا  ومستحله، وكأنه اصبح عادة له، قال الرازي: ((فاعلم ان الكفّار: (فَعَّال) من الكفر او معناه من كان ذلك منه عادة، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا فتقول: فلان (فَعَّال) للخير، أمَّار به))([123]).

وليس خافياً ان القرآن الكريم اكسب هذا اللفظ معنى شرعياً وهو نقيض الايمان، فسمى الكافر كافراً لانه ستر الحق، وغطى عليه، وكُفر النعمة: سترها، فالبناء يدل على تغطية الحق، وانكار النعمة وجحودها، وفي ذلك تخصيص للمعنى العام.

  • مشى

وقد تمثلت صورة المبالغة من هذا الجذر على بناء (فـَعَّال) مرة واحدة قال تعالى: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِين . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)([124]).

ففي بناء (مَشَّاء) دلالة على المبالغة في كثرة المشي سعياً إلى الإفساد بين الناس ، قال ابن عاشور: (والمشاء بالنميم الذي ينم بين الناس ووصفه بالمَشَّاء للمبالغة)([125])،

وجاء وصف (مشاء) في الرتبة الثانية في الآية بعد (هَمَّاز) حيث بدأ بالهَمَّاز وهو الذي يعيبُ الناس ، وهذا لا يفتقر إلى مشيٍ ولا حركة ، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهي المشي بالنميمة ([126]) .

مما تقدم يظهر أن دلالة (مشاء) في الاستعمال القرآني تمثلت بالإنتقال من مكان إلى مكان آخر لأجل النميمة ، والصلة واضحة بين هذه الدلالة وأصل المشي في اللغة، إلا أن القرآن الكريم أكسبها معنى مجازياً ليعبر بها عن المبالغة في عمله مكرراً مذموماً .

  • منع

وتمثلت صيغة المبالغة من (مَنَعَ) على وزنين هما (فعّال، وفَعُول) للدلالة على المبالغة في الامساك عن الخَيرْ، قال تعالى:

( مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ)([127]).

وَمَنَّاع: وَصْفُ مبالغةٍ في مَنْعِ الخير عن الاخرين حتى كادت الصفة تكون عادة له لمزاوَلِته إياها، وسياق المقام الذي نزلت فيه الآية يؤيد ذلك، فقد نزلت في الوليد بن المغيرة حيث كان يمنع بني أخيه من الاسلام ولم ينفعْهُم بخير([128]).

  • همز

وقد وردت صورة المبالغة من (همز) على وزنين هما (فـَعَّال، وفـُعَلَة)، قال تعالى: ( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ )([129]) .

جاء في البحر المحيط ((بعد أن وصفه بأنّه حلاّف، وهي صيغة مبالغة جاء في هذه الآية بصيغتي المبالغة همّاز ومشّاء))([130]) .

والهمّاز الطّعان الذي يلوي شَدْقَيْه بأقفية الناس، ولمّا كثُرَ منه ذلك ناسبه وصف (فَعَّال) الدال على التكرار، قال ابن عاشور ((والهمّاز كثير الهمز .. وصيغة المبالغة راجعة إلى قُوّة الصفة، فإذا كان أذى شديداً فصاحبُه همّاز، وإذا تكرّر الأذى فصاحبُه همّاز))([131]).

وقد تطوّر هذا البناء فأطلق على سلوك مذموم حاربه الاسلام، ونهى عنه، وعدّه من قبائح الأمور.

ثانيا/ فَعُول:

  • جزع

وتمثلت مبالغة هذا الجذر بصيغة (فَعُول) مرّة واحدة.

قال تعالى: ( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً)([132])

و (جَزُوع) صفة من صفات الانسان، الذي اذا نزل به مكروه من فقر او مرض او خوف كان مبالغاً في الجزع مكثراً منه واستولى عليه اليأس والقنوط، قال الآلوسي عن لفظة (جَزُوع): ((…أي مبالغاً في الجزع مكثراً منه))([133]) فهو يتألم للَذْعه، ويجزع لوقعه، ويحسب أنه دائم لا كاشف له، ويظن اللحظة الاخيرة سرمداً مضروباً عليه، ويحبس نفسه بأوهامه، ولا يتصور أن هناك فرجاً، ولا يتوقع من الله تغييراً، ومن ثم يأكله الانقطاع في اليأس ذلك بأنه لا يأوي الى ركن يشد من عزمه ويعلق به رجاءه وأمله، وهو صورة بائسة مبالغ فيها للأنسان حين يخلو قلبه من الايمان([134]).

  • جهل

وقد وردت صيغة المبالغة من هذا الفعل على بناء (فـَعُول) في موضع واحد: قال الله عز وجل:    (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)([135]).

جَهُول: صيغة مبالغة في الجهل، والمراد انتفاء علم الانسان بموقع الصواب
فيهما([136])، فهو جهول فيعدم علمه وتقديره قَدْرَ إضاعة الأمانة، والأمانة: جميع معاني الامانات سواءً كانت في الدين او امانات الناس([137])، والمعنى: عرضنا الفرائض والتكاليف الشرعية على السموات والارض والجبال الراسيات فأعرضْنَ عن حملها، وخِفنَ من ثقلها وشدّتها والغرض من ذلك المبالغة في تصوير عظم الامانة، وثقل حملها، قال أبو السعود (ت 982هـ): ((والمعنى ان تلك الامانة في عظم الشأن، بحيث لو كلفت هاتيك الاجرام العظام التي هي مثل القوة والشدة وكانت ذا شعور، وادراك على مراعاتها لأبين قيومها وأشفقن منها))([138]).

( وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) أي انه كان شديد الظلم مبالغاً في الجهل بعواقب الامور، فقوله: ( ظَلُوماً جَهُولاً) فيه ثلاثة أوجُه:

  1. ظلوماً لنفسه جهولاً بربه.
  2. ظلوماً في خطيئته، جهولاً فيما حمل ولده من بعده –والمعني بذلك آدم -عليه السلام-.
  3. ظلوماً لحقها، جهولاً بعاقبة أمره([139]).

فكان من شأن الانسان المبالغة في الظلم والجهل، فهو يجهل، ولا ينظر الى عظم الامانة التي يحملها على عاتقه، التي اشفقت منها السموات والارض والجبال وبقي على ما هو عليه من قصور العلم ((فان قيل: المراد بالانسان آدم عليه السلام في قوله تعالى: ( وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ) فكيف قال سبحانه: ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)

و(فـَعُول) من اوزان المبالغة فيقتضي تكرار الظلم والجهل منه وأنه منتفِ؟

قلنا: لما كان عظيم القدر رفيع المحل كان ظلمه وجهله لنفسه أقبح وأفحش قام عِظَمُ الوصف مقام الكثرة…وقيل إنَّما سَمَّاه ظلوماً جهولا لتعدي ظلمه وجهله الى جميع الناس، فأنَّهم اخرجوا من الجنة بواسطته وتسلط عليهم ابليس وجنوده))([140]).

  • ظلم

وجاءت صورة المبالغة من (ظلم) على وزن ظَلوُم: وجاء في القرآن الكريم مرتين، قال تعالى:

( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)([141]).

فكلمة (ظلوم) صيغة مبالغة وردت في الآية الأولى وصفاً للانسان الذي يجحد نعمة الله ويظلم نفسه فهي ((لعدم تناهي النعم، ولذا اتى بصيغتي المبالغة))([142])، لأن الله تعالى سخر لنا نعماً كثيرة مع ذلك فالانسان يكفر بواهب هذه النعم([143]). فيكون بذلك ظَلُوما لنفسه ولغيره: اي مبالغاً في ظلم نفسه وظلم غيره، وهذا الوصف يتسق مع الوصف الذي تلاه وهو (كَفَّار) فكلتا الكلمتين صيغة مبالغة، وقال عز وجل: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)([144]) ذلك هو الانسان يظلم بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب،  فكان من شأنه الظلم، فيظلم النعمة باغفال شكرها، فاذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها([145])، فالانسان هو الذي يتمتع بحرية الارادة دون غيره من المخلوقات ولكنه لا يصون هذه الحرية فهو لا يتصرف بموجب فطرته السليمة التي فطر عليها فانه سوف يفرط ويبالغ في الظلم، فحق لمن يعرف الحق ويعلمه ثم يكفر به ان يوصف ببناء المبالغة (ظَلُوم)…

  • عجل

ورد من هذا الجذر اللغوي بناء (فـَعُول) مرة واحدة، قال تعالى: ( وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً)([146]) . و(عَجُول) يدل على المبالغة في طبع جبل الانسان عليه، فهو غريزة فيه وجزء من تكوينه والمراد من الانسان قولان:

القول الاول: أنه شخص معين، والمقصود هو آدم عليه السلام، فلما طبع آدم على العجلة وجد في اولاده واورثهم العَجَل.

القول الثاني: انه النوع والانسان هنا اسم جنس، وكونه خلق عجولاً على سبيل المبالغة لما كان يصدر منه كثيراً، وقد خوطبت العرب بما تعقل وأنَّ هذا القول فيه نظر لانَّ الغرض ذم القوم وذلك لا يحصل إلاّ اذا حمل لفظ الانسان على النوع([147])، فهو يدعو بالشرِّ على نفسه كدعائه لها بالخير ولو استجيب له في الشرِّ كما يستجاب له في الخير لهلك، قال ابن عباس: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لايحب أن يستجاب له([148]).

ولأن وصف الانسان من مقتضى التفكير في المحبَّة والكراهية، فإذا فعل الفعل في شيءٍ محبوب استعجل حصوله بداعي المحبّة، وإذا فكر في شيءٍ مكروه أستعجل إزالته بداعي الكراهيَّة ولا تخلوا أحوال الانسان من هذين، فَلا جرمَ كان الانسان عجولاً بالطبع فكأنه مخلوق من العجلة([149]).

مما تقدم يظهر لنا أنَّ بناء (عَجول) طبيعة في الانسان، فهو يستعجل النتائج عادة ويلحّ في طلب الخير ولا يتأنى، تأني المبصر في محاولات الحصول على المنافع، ويسارع الى كل ما يخطر بباله بغير النظر في عاقبته، وفي ذلك دلالة على المبالغة في شيء يجب تربيته باللين والحكمة والموعظة الحسنة، وايقاظ النفس مرة باللوم وتارة بالزجر وأحياناً بالتهديد، والتحذير من عقاب الله ليصل الانسان الى طريق واضح المعالم يحقق الغاية والهدف المبتغى.

  • قنط

وقد ورد بناء المبالغة (قَنوط) مرة واحدة وصفاً للإنسان في قوله تعالى:

( لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ)([150])

أي لا يمل الانسان من دعائه بالخير، والخير هنا المال والصحة والسلطان والعزّ، وإن مسه الفقر والمرض فيؤوس من رَوْح الله، (قَنُوط) من رحمته، أي تظهر عليه آثار اليأس فيتضاءل وينكسر، قال الالوسي: ((وقد بلغ في يأسه وقَنُوطه من جهة الصيغة لأنَّ (فـَعُولاً) من صيغ المبالغة، ومن جهة التكرار المعنوي، فأن القنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، ولما كان أثره الدال عليه لا يفارقه كان في ذكره ثانياً بطريق أبلغ))([151]).

تلك الصيغة (فـَعُول) توضح لنا الانسان على حقيقته الخَلْقية الدالة على المبالغة السلبية، كما وصَفَه خالقه سبحانه وتعالى فهو به اعلم، والذي يهذب تلك الصفة هو الايمان الصادق، والعمل بمنهج الله، والسير على صراط مستقيم.

  • كند

وجاء بناء المبالغة من (كند) على زنة (فـَعُول) مرة واحدة، قال تعالى:

( إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)([152]).

وكَنُود:((وصف من امثلة  المبالغة من كند،…الشديد الكفران لله))([153]) وهذه الصفة لا تكون الا من العاصي الجاحد الذي لا يذكر النعمة ولا يشكر لها ويتناسى فضل الله فهو ((لوّام لربه يعد المسيئات أو المصيبات وينسى النعم والراحات))([154]).

ولا يخفى ان القرآن الكريم استعملها بدلالتها المألوفة في اللغة من قبل، أما اليوم فأرى أنه غالباً ما يقال: جحود، كفور،…وما اليها من الالفاظ الدالة على المعنى نفسه.

  • هلع

وقد سلك هذا الجذر صورة المبالغة على زنة (فـَعُول) مرة واحدة، قال تعالى: (إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً)([155]) وهلوع: فعول مثال مبالغة للاتصاف بالهلع([156])، وهو سرعة المنع عند مسِّ الخير([157])، وذكر الرازي أنّ الهلع لفظ واقع على أمرين:

1- الحالة النفسية التي لأجلها يَقْدُم الانسان على إظهار الجزع والتضرّع.

2- تلك الأفعال الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالة النفسية التي هي في الحقيقة تكون على سبيل الاضطرار([158]) .

فهذه صورة الانسان عند فراغ قلبه من الإيمان والتي تعبر عن الملامح الأصلية في هذا الكائن، لا يرفعه عنها إلا الإيمان الذي يجعله مطمئناً إلى قدر الله شاعراً برحمته، متطلّعاً دائماً إلى فرجه من الضيق، ويسره من العسر، وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الانسان ضجور لا يصبر إذا مسّه الخير ولا يصبر إذا مسّه الشر فهو مَنوع جزوع([159])، وتلك مبالغة سلبية يهذبها ما ذكر بعدها من صفات يفصلها السياق ويجدّدها المقام قال تعالى: (إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً )([160]) .

ثالثا/ فـَعِل:

بفتح أوله وكسر ثانيه، ويكون اسماً وصفة، فالاسم نحو: كتف، وكبد، وفَخِذ، والصفة نحو: حَذِرٌ، ووَجِعٌ، وخَصِرٌ([161]) .

وهو من أبنية الصفة المشبهة، فقد عدّه الرضي قياسياً في ما كان من الأدواء الباطنية كالنَكِد، والعَسِر ونحو ذلك، جاء في شرح الشافية ((ونحو ذلك من الهيجانات والخفة غير حرارة الباطن والامتلاء يكون على (فـَعِل) كالأرِج، والأشِر، والقَلِق، والبَطِر،… ))([162])، ومما قارب ذلك يأتي على هذا البناء، قال ابن قتيبة ((وشبيه بذلك ما تعقَّد، ولم يسهل نحو، عَسِر، وشَكِس، ونَكشد، لأَّنّ هذه الأشياء مكروهة فجعلت كالأدواء))([163]).

وهذا البناء من أبنية المبالغة في اسم الفاعل([164])، وفي ذلك تداخل في الأبنية، وهو أمر معهود ومألوف نبّه عليه سيبويه كما نبّه عليه ابن سيده من بعده، قال سيبويه ((والعرب مما يبنون الأشياء إذا تقاربت على بناء واحد))([165])، والتقارب الحاصل بين الصفة المشبّهة وبناء المبالغة (فَعِل) حاصل في العربية إذ إنّ (فَعِل) في المبالغة منقول من الصفة المشبهة لما دلّ على الأعراض والحركة نحو: فَرِحٌ، وأسِفٌ([166])، ففي قوله تعالى: (…إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)([167]) يتبين لنا معنى فَرِح: كثيرة الفرح وشديده، وكثيرة الفرح وشدّته تفضَيان إلى الغرور والخيلاء، فدلّت صيغة (فَعِل) على مبالغة سلبيّة في الانسان، وإنّ كان الفرح قد أضحى سجيّة، فيه وصفة ثابتة له.

فدلالة البناء واضحة لمن قام بفعل، واستمر عليه حَتَّى أصبح لثباته وتكراره كالشيء الملازم لصاحبه([168]).

استخدم منه على هذا البناء هذه الألفاظ:

  • أشـــر

وصورة المبالغة من هذا الجذر (أَشِر) وقد ورد مرتين في آيتين متتاليتين، قال تبارك وتعالى في معرض كلامه على قصة صالح عليه السلام:

( أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ)([169])، أي: ((بطر يريد العلو علينا، وأن يقتادنا ويمتلك طاعتنا))([170]) وهو قول قوم صالح ((ثمود)) لنبيِّهم انكاراً لاتباعه وتكذيباً لنبوته مدعين أنه ((معجب بنفسه مدّع ما ليس فيه))([171])، فهو بناء يمثل أحد ابنية المبالغة الدالة على الهيجان والخفة([172]) ولا يخفى ان دلالة اللفظ في القرآن الكريم جاءت موافقة لما عرفت به في اللغة، فتمثلت بالكبر وشدة البطر لأن ((الأشر) أبلغ من البطر)([173]).

  • خصم

وجاء بناء المبالغة من خصم بصيغتين في الدلالات القرآنية (خَصِمٌ وخصيم)

أولاً/ خَصِمٌ: ورد ذلك مرة بصيغة الجمع: قال تعالى:

( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)([174])

والخصم: هو المجادل على الباطل، وطلب المغالبة به لإظهار الحق، يقال: انه لخَصِمٌ اذا كان شديد الخصام، أي انهم يبالغون في اللجاج والخصومة بالباطل، قال ابو حيان: (( خَصِمون: شديدو الخصومة واللجاج و (فَعِلٌ) من ابنية المبالغة))([175])، فهم مجبولون على اللجاج والمخاصمة والمنازعة بغير حق على وجه المبالغة والكثرة، ويؤكد دلالة هذا البناء على الكثرة والتكرار والخفة والهيج([176]).

ثانياً/ خصيم: ورد ذلك في ثلاثة مواضع([177]) قال تعالى:

( خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)([178])

وقوله :(خصيم مبين) فيه معنيان([179]):

الاول: فاذا هو مجادل عن نفسه منازع للخصوم بَعْدَ أنْ كان نطفةً قذرةً وجماداً لا حس له ولا حركة والمقصود منه: ان الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى الحالة العالية الشريفة لا يحصل الا بتدبير مدبر حكيم عليم.

الثاني: فاذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل: (من يحيي العظام وهي رميم) والغرض منه وصف الانسان بتلك الصفة الدالة على المبالغة في الوقاحة والجهل والتمادي في كفران النعمة.

والمعنيان متداخلان فالانسان كثير المخاصمة في البعث مع أنّهُ خُلِق من نطفة مهينة، فينكر على خالقه القدرة عليه فهو مبالغ في الخصومة والجدل الباطل، ظاهر متجاهر في انكار البعث مع علمه بأصل خلقته كيف! ومن قدر ان يجعل من هذه النطفة انساناً سوياً!! لا ريب انه يقدر على ان يعيد خلقه كما بدأه، بل ذلك أهون عليه([180]).

فيالها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير، بين النطفة الساذجة والانسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه ويجادل في وجوده([181]) ذلك هو الانسان بعد ما كان نطفة صار رجلاً مميزاً قادراً على الخصام، فالخصيم مبالغة تفيد ان الانسان يعرف الخصام ويحسنه ويكثر منه، فمن سنن العرب في كلامها انها تعدل عن صيغة (فاعل) إلى (فعيل) لأجل المبالغة ولكي يصبح كالطبيعة لمن اتصف به([182]).

  • فرح

سلك هذا الجذر المبالغة على زنة (فَعِل) في ستة مواضع قرآنية([183]).

وفَرِحٌ بناء مبالغة ورد في بيان ذم القوم الذي تجاوزوا الحدّ في الفرح، أي بدلالة الغاية في الفرح السلبي، قال تعالى:

( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)([184]).

والفرح هنا بمعنى البطر: أي لا تفرح بكثرة المال بالدنيا، لأن الذي يبالغ في الفرح بالمال يصرفه في غير أمر الآخرة([185]). قال ابن عاشور((وأحسب ان الفرح اذا لم يعلق به شى دل على انه صار سجية الموصوف فصار مرادا به العجب والبطر ،وقد اشير الى بيان المقصود تعضيدا لدلالة المقام بقوله (إنّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرحينَ)([186]) أي المفرطين في الفرح فان صيغة (فَعِلٌ) صيغة مبالغة مع الاشارة الى تعليل النهي ،فالجملة علة للتي قبلها ، والمبالغة في الفرح تقتضي شدة الاقبال على ما يفرح به ، وهي تستلزم الاعراض عن غيره فصار النهي عن شدة الفرح رمزاً الى الإعراض عن الجد والواجب في ذلك))([187]) .

كما ورد هذا البناء دالاً على مبالغة ايجابية، بمعنى نهاية الفرح في سياق ذكر منازل الشهداء، قال عز وجل: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)([188]).

وهذا فرحٌ محمود، اذ إنَّ نعم الله وان كانت عظيمة الا انها بالنسبة للسعادة المعدة في الآخرة كالقطرة بالنسبة الى البحر، فالإنسان اذا فاز بهذا القدر الحقير الذي حصل عليه في الدنيا فانه يفرح لها، ويعظم غروره بسببه، ويقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، ووصل إلى أقصى السعادات([189]).

فجاء بالبناء الدال المبالغة في شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من الله عزّ وجل والتمتع بالنعيم المخلد عاجلاً.

  • فكـه

وقد ورد بناء المبالغة من هذا الجذر على زنة (فَعِل) مجموعاً جمع مذكر سالماً مرة واحدة، قال الله تعالى: ( وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ)([190]).

أي متلذذين بذكرهم، والسخرية منهم([191])، وفي هذا البناء اشارة إلى كثرة حدوث ذلك من اولئك النفر وكأنه أصبح عادة لهم([192]).

وجاء البناء في سياق مشهد يرسمه القرآن الكريم، ويعرض فيه حال المجرمين وطبعهم الاجرامي في الدنيا مع المؤمنين، والمتمثل بالاستخفاف والضحك والتفكه مما يتأذى به المؤمنون([193]).

قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ،وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ، وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ،عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)([194]).

فدلالة (فكه) في هذا الصدد تبين لنا المبالغة في انصراف هؤلاء الساخرين إلى منازلهم متلذذين لإيذائهم المؤمنين وذلك بالضحك منهم استخفافاً بهم والطعن عليهم غير نادمين لما أقدموا عليه.

فالبناء لم يخرج في الاستعمال القرآني عن معناه اللغوي الدال على التلذذ بالشيء الا انه خصص في استعماله بمعنى التلذذ في السخرية من الآخرين والتنقص منهم والاستهزاء بهم.

  • نتائج البحث:

تبينَ للباحث:

1)  أنَ كثيراً من صفات بني آدم وردت على صورةِ المبالغة التي تظهر صاحب القلب الخاوي من الأيمان، فاستعمل. مثلاً. (عَجُولاً) للتعبير عن إنسان قاصرٍ يعيش للِحْظتهِ، ولا يرى أَبعد من موضع قدميه فهو لا يستشرف المستقبل ولا يتعظ بما جرى له، واستعمل ((يَئُوس كَفُور في الشدّة، وفَرح مختال في الرخاء، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان القرار والطمأنينة فهو في خوفٍ مُستمِر. ومن ذلك:

  • فَعّال… حَلاّف – خَتّار- خَرّاص – خَوّان – مَشّاء – هَمَّاز……الخ
  • فَعُول… جَهُول – ظَلُوم – عَجُول – يئوس – قنوط – كنود – منوع – هَلُوع..الخ.
  • فعيل… أثيم – خصيم…الخ.
    • فَعِلٌ… خَصِمٌ – فَرِح – فَكِهٌ…الخ.
  • إنَّ القول بأنَّ الأصل اللغوي وحده يحدد المعنى غيرُ دقيق، وإنّ القول بأنّ ما حول النص وحده هو الذي يحدد دلالة الصيغة فيه نظر، والقول الراجح هو ما كشفت عنه الدراسة، وهو أنَّ دلالة الكلمة تتحدد بثلاثة عناصر:
    • الأصل اللغوي .
    • البناء الصرفي .
    • السياق الذي وردت فيه .
  • يمكن القول باطمئنان يحمل في طياته الأدلة الكافية إنَّ المفسرين كانوا على قدر كبير من الدقة في تناول دلالة أبنية المبالغة، وعلى جانب أكبر من الأستيعاب، فقد كانت وقفاتهم هنا وهناك منبعاً أصيلاً استقت منه الرسالة كثيراً من صفحاتها.

والحديث حول ما تقدّم في نماءٍ مستمر، ومتصل بالنشاط الأنساني ولا تُقال فيه الكلمة الأخيرة.

[1] – ينظر علم الدلالة العربي: 6.

[2] – نظرية المعنى في النقد العربي: 161، وعلم الصرف الصوتي: 152.

[3] – ينظر: المباحث اللغوية في العراق: 34، وفقه اللغة وخصائص العربية: 164، والمجاز واثره في الدرس اللغوي: 83.

[4] – بلاغة الكلمة في التعبير القرآني: 6.

[5] – شرح التصريح: 2/67، وينظر الكتاب: 1/56، وشرح ابن عقيل: 2/111، قواعد الصرف بأسلوب العصر: 75، وتصريف الأسماء: 40.

[6] – ينظر: الكتاب: 2/321.

[7] – ينظر: المفتاح في الصرف: 58، والنحو الوافي: 3/260 هامش (3)، وتصريف الأسماء: 40.

[8] – ينظر في: الإسراء:25/ ص:17، 30، 44/ ق:32.

[9] – الإسراء: 25.

[10] – السراج المنير: 3/213.

[11] – ص: 17.

[12] – سورة ص: 30.

[13] – سورة ص: 44.

[14] – ينظر البحر المحيط: 7/373.

[15] – سورة ص: 17.

[16] – الكشّاف: 3/365.

[17] – التوبة: 114.

[18] – البحر المحيط: 5/92.

[19] – ينظر الجامع لأحكام القرآن: 8/275، ومعجم مقاييس اللغة: 83  (أوه).

[20] – مريم: 42-45.

[21] – مريم: 45.

[22] – مريم: 46.

[23] – ينظر الكشّاف: 3/7، ونحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم: 244.

[24] – وذلك في: البقرة :37 ،54 ، 128، 160، 222، والنساء: 16، 64، والتوبة: 104، 118، والنور: 10، والحجرات: 12، النصر: 3.

[25] – ينظر جامع البيان: 1/547، والتحرير والتنوير: 1/439.

[26] – النساء: 16.

[27] – الكشّاف: 4/297.

[28] – ينظر: التفسير الكبير: 3

[29] – الحجرات: 12.

[30] – ينظر: التحرير والتنوير: 1/439.

[31] – اشتقاق أسماء الله: 96-97.

[32] – الجامع لأحكام القرآن: 1/324.

[33] – ينظر: ابراهيم/5، ولقمان/31، وسبأ/19، والشورى/33.

[34] – ابراهيم:5.

[35] – الفروق في اللغة: 12.

[36] – شرح الشافية: 2/84.

[37] – ينظر: المقتضب: 2/113، اصلاح المنطق: 359.

[38] – معاني الابنية في العربية: 110.

[39] – الشورى: 33.

[40] – ينظر: الكشاف: 3/471، و التفسير الكبير: 27/176، والجامع لأحكام القرآن: 16/32، وارشاد العقل السليم: 5/530،  وفي ظلال القرآن:  7/290.

[41] – لقمان: 31.

[42] – روح المعاني: 21/105.

[43] – ينظر: علم الدلالة: 246.

[44] – النساء: 134،135، والمائدة: 7.

[45] – النساء: 34.

[46] – البحر المحيط: 3/249، وينظر: الكشاف: 1/525.

[47] – النساء: 34.

[48] – العجاب في بيان الاسباب:2/869.

[49] – ينظر: الكشاف: 1/524.

[50] – ينظر: ارشاد العقل السليم: 1/339، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 4/124.

[51] – القيامة: 2.

[52] – التحرير والتنوير: 29/338.

[53] – البحر المحيط: 8/375، و ينظر: نزهة القلوب: 98.

[54] – ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 19/93.

[55] – ينظر الكتاب: 1/56، والبرهان في علوم القرآن: 2/54.

[56] – المزهر: 2/243.

[57] – آل عمران: 39.

[58] – تفسير غريب القرآن: 105.

[59] – زاد المسير: 1/383.

[60] – الكشاف: 1/360.

[61] – التفسير الكبير: 8/390/ و ينظر: في ظلال القرآن: 1/581.

[62] – أدب الكاتب: 330.

[63] – ديوان الأدب: 1/339، وينظر تصريف الأسماء: 42، ومعاني الأبنية في العربية: 119.

[64]– ينظر: القرآن الكريم: النساء: 69، والمائدة: 75، ويوسف: 46، ومريم: 41، 56، والحديد: 16.

[65]– النساء: 69.

[66]– ينظر: البحر المحيط: 6/181.

[67]– الكشاف: 2/510.

[68]– زاد المسير: 1/131.

[69]– مريم: 41.

[70]– التفسير الكبير: 21/223، وينظر: أدب الكاتب: 330.

[71] – ينظر: في ظلال القرآن: 16/438.

[72] – رواه مسلم: ينظر: صحيح مسلم: 4/2013.

[73]– ينظر: الكشاف: 3/530.

[74]– رواه البخاري: (ينظر: صحيح البخاري: 3/1344)، حديث رقم: 3472.

[75] – الشعراء: 221-222.

[76] – البحر المحيط: 7/44.

[77] – الجاثية: 7-8.

[78] – ينظر:  البحر المحيط: 8/44.

[79] – التفسير الكبير: 23/172.

[80] – المائدة: 42.

[81] – التحرير والتنوير: 6/201، وينظر السراج المنير: 1/676.

[82] – المحرر الوجيز: 4/447.

[83] – يوسف: 53.

[84] – الكشاف: 2/480، و ينظر: أنوار التنـزيل وأسرار التأويل: 1/487.

[85] – التفسير الكبير: 18/156، و ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 9/210، وروح المعاني: 13/2.

[86] – وذلك في: المائدة: 22، وهود: 59، وابراهيم: 15، ومريم: 14، 32، والشعراء: 130، والقصص: 19، وغافر: 35، وق: 45، والحشر: 32.

[87] – ينظر: التحرير والتنوير: 19/168.

[88] – ينظر: البحر المحيط: 8/249.

[89] – مفردات ألفاظ القرآن: 183 (جبر).

[90] – ابراهيم: 15.

[91] – مريم: 22.

[92] – ق: 45.

[93] – القلم: 8.

[94] – ينظر: الكشاف: 4/142، والفروق في اللغة: 47.

[95] – التحرير والتنوير: 29/72.

[96] – التعبير الفني في القرآن الكريم: 279-280.

[97] – لقمان: 32.

[98] – ينظر: في ظلال القرآن: 6/498.

[99] – نزهة القلوب: 85، وينظر: صفوة البيان: 520.

[100] – البحر المحيط: 7/189، وينظر: الكشاف: 3/237.

[101] – الذاريات: 10-12.

[102] – ينظر: الكشاف: 4/397، وزاد المسير: 8/30، وصفوة البيان: 66.

[103] – مفردات ألفاظ القرآن: 279 (خرص).

[104] – ينظر: من معجم الجاحظ: 122.

[105] – النساء: 107.

[106] – ينظر: الكشاف: 1/561، واسباب النزول: 124.

[107] – النساء: 105-107.

[108] – ينظر: البحر المحيط: 3/359، وانوار التنـزيل واسرار التأويل: 1/235.

[109] – ينظر: انوار التنـزيل واسرار التأويل: 1/235.

[110] – روح المعاني: 5/141، وينظر: درة التنـزيل وغرّة التأويل: 54.

[111] -ينظر: في ظلال القرآن: 5/516.

[112] – الحج: 38.

[113] – روح المعاني: 17/161، و ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 5/378.

[114] – وذلك في: المائدة: 41، 42، التوبة: 47.

[115] – المائدة: 42.

[116] – المحرر الوجيز: 4/445.

[117] – التوبة: 47.

[118] – ينظر التحرير والتنوير: 6/199.

[119] – وذلك في : البقرة/276، ابراهيم/ 34، الزمر/ 3، ق/24، نوح/ 27.

[120] – البقرة: 276.

[121] – البحر المحيط: 2/350.

[122] – ينظر: معاني الابنية في العربية: 110، والظاهرة الجمالية في القرآن الكريم: 139.

[123] – التفسير الكبير: 7/96، و ينظر: روح المعاني: 3/52، و التحرير والتنوير: 29/214.

[124] -القلم :11

[125] -التحرير والتنوير : 29 / 72

[126] – ينظر التعبير القرآني :56.

[127] – القلم: 12.

[128] – ينظر: الكشاف: 4/143، و البحر المحيط: 8/304، وبدائع الفوائد: 1/62، والتعبير القرآني: 56.

[129] – القلم: 10 –11.

[130] – البحر المحيط: 8/304، وينظر أدب الكاتب: 345.

[131] – التحرير والتنوير: 29/72.

[132] – المعارج: 20.

[133] – ينظر: روح المعاني: 29/62.

[134] – ينظر: في ظلال القرآن: 28/286.

[135] – الاحزاب: 72.

[136] – ينظر: جامع البيان: 22/53.

[137] -المصدر نفسه: 22/57.

[138] – ارشاد العقل السليم: 4/221، وزاد المسير: 6/428.

[139] – ينظر: الكشاف: 5/57، والجامع لأحكام القرآن: 4/221، والتفسير الكبير: 25/236.

[140] – أسئلة القرآن المجيد وأجوبته: 285، و ينظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن: 148.

[141]– ابراهيم: 34.

[142]– روح المعاني: 13/229.

[143]– ينظر: جامع البيان: 14/131.

[144]– الاحزاب: 72.

[145]– ينظر التفسير الكبير: 19/132، 25/236، وفي ظلال القرآن: 22/885، التعبير القرآني:217.

[146]– الاسراء: 11.

[147]– ينظر: التفسير الكبير: 11/171، وزاد المسير: 5/352، والجامع لأحكام القرآن: 11/288.

[148]– ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 10/225.

[149] – التحرير والتنوير: 17/68.

[150] – فصلت: 49.

[151] – روح المعاني: 25/4، وينظر: جامع البيان: 25/2، والجامع لأحكام القرآن: 25/372: البحر المحيط: 7/482.

[152] – العاديات: 6.

[153] – التحرير والتنوير: 30/502، وينظر: جامع البيان: 30/278، الكشاف: 4/25، الجامع لأحكام القرآن: 20/190، والبحر المحيط: 8/500، وصفوة البيان: 820.

[154] – معاني القرآن (الفرّاء): 2/307، وينظر: نزهة القلوب: 165.

[155] – المعارج: 19.

[156] – التحرير والتنوير: 29/167، وينظر جامع البيان: 29/78، والجامع للأحكام القرآن: 18/289.

[157] – ينظر البحر المحيط: 8/325، وروح المعاني: 29/61.

[158] – التفسير الكبير: 30/129، وينظر: في ظلال القرآن: 29/282.

[159] – ينظر: نزهة القلوب: 211.

[160] – المعارج: 19-35.

[161] – الكتاب: 2/315.

[162] – شرح الشافية: 1/143، وينظر أبنية الصرف في كتاب سيبويه: 279.

[163] – أدب الكاتب: 577، وينظر جامع الدروس العربية: 1/192.

[164] – ينظر المقتضب: 2/115.

[165] – الكتاب: 2/217، وينظر المخصص: 14/140، وتصريف الأسماء: 42.

[166] – ينظر: همع الهوامع: 2/97، ومعاني الأبنية في العربية: 117، وتصريف الأسماء: 42.

[167] – هود: 10.

[168] – ينظر أرتشاف الضرب مِنْ لسان العرب: 3/191.

[169]– القمر: 25،26.

[170]– البحر المحيط: 8/179.

[171]– ال[171] – الكتاب: 2/315.

[171] – شرح الشافية: 1/143، وينظر أبنية الصرف في كتاب سيبويه: 279.

[171] – أدب الكاتب: 577، وينظر جامع الدروس العربية: 1/192.

[171] – ينظر المقتضب: 2/115.

[171] – الكتاب: 2/217، وينظر المخصص: 14/140، وتصريف الأسماء: 42.

[171] – ينظر: همع الهوامع: 2/97، ومعاني الأبنية في العربية: 117، وتصريف الأسماء: 42.

[171] – هود: 10.

[171] – ينظر أرتشاف الضرب مِنْ لسان العرب: 3/191.

تحرير والتنوير: 27/198.

[172]– ينظر: معاني الابنية في العربية: 78.

[173]– مفردات ألفاظ القرآن: 77 (أشر).

[174] – الزخرف: 58.

[175] – البحر المحيط: 8/25.

[176] – ينظر: الكشاف: 4/206، وهمع الهوامع: 2/67، وصفوة البيان: 626.

[177] – وذلك في: النساء: 105، النحل: 4، يس: 77.

[178] – النحل: 4.

[179] – ينظر: الكشاف: 3/141، والتفسير الكبير: 19/231، 26/108، وزاد المسير: 4/429.

[180] – ينظر: زاد المسير: 4/429، والبحر المحيط: 5/474.

[181] – ينظر: في ظلال القرآن: 5/228.

[182] – ينظر: همع الهوامع: 5/18، ومعاني الابنية في العربية: 117.

[183] – وذلك في : آل عمران:170، التوبة:50، وهود:10، والمؤمنون:53، والقصص:76، والروم:32.

[184] – القصص: 76.

[185] – ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 628 (فرح)، والوجوه والنظائر في القرآن الكريم: 242.

[186] – القصص: 76.

[187] – التحرير والتنوير: 20/178.

[188] – آل عمران: 169، 170.

[189] – ينظر: جامع البيان: 25/44، و التفسير الكبير: 27/185، و الجامع لأحكام القرآن: 16/47.

[190] – المطففين: 31.

[191] – ينظر: الكشاف: 4/233، والبحر المحيط: 8/435.

[192] – ينظر: معاني الابنية في العربية: 117.

[193] – ينظر: ارشاد العقل السليم: 5/248، وروح المعاني: 30/77، وفي ظلال القرآن: 30/509.

[194] – المطففين: (29-36).


اترك تعليقاً