ملامح المدخل بعد-التواصلي في تعليم اللغات للناطقين بغيرها


ملامح المدخل بعد-التواصلي في تعليم اللغات للناطقين بغيرها

د. عنتر صلحي عبد اللاه- كلية التربية – جامعة جنوب الوادي – مصر[*]

وجامعة طيبة – المدينة المنورة

قدمت في مؤتمر معهد اللغويات العربية – جامعة الملك سعود 2014

مقدمة

مر تدريس اللغات الأجنبية بمراحل عديدة منذ أن عرف الإنسان اللغات الأجنبية وسعى لتعلمها وتعليمها لغيره. ومما يدعو للعجب أن تاريخ طرائق التدريس يبين لنا أن طريقة واحدة للتدريس -هي طريقة القواعد والترجمة- قد سادت معظم قرون التاريخ الإنساني؛ فهي الطريقة التي كان أول ظهور لها في القرن الخامس قبل الميلاد ، ومازال استخدامها قائما حتى يومنا هذا. في حين أن باقي السلة التي تشمل طرائق ومداخل وأساليب تعليم اللغات الأجنبية تنتظم جميعا في قرنين من الزمان (منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين) وقد يكون من أسباب ذلك طبيعة التواصل البشري الذي تطور كثيرا في القرنين الماضيين وإن ظل متباعدا في القرون السابقة نظرا لضعف هذا التواصل وبدائية سبل المواصلات واقتصار الاحتكاك الثقافي بين الأمم على المواجهات العسكرية والاحتلال والقليل من البعثات العلمية الذاتية والتي يغلب عليها طابع الرحلات الاستكشافية أكثر من كونها سعيا لتحصيل علوم أهل الأمم الأخرى.

 

فلما ظهرت الحاجة للتواصل ومع اختراع المحرك البخاري وسبل المواصلات السريعة والبرق والهاتف والسينما والمذياع وبدايات الثورة التكنولوجية التواصلية وازدياد البعثات العلمية والحاجة إلى تنشيط الخدمات السياحية والانفتاح على الآخر والتعرف عليه، ظهرت بالتالي طرائق جديدة للتدريس تستفيد من مكونات بعينها من الطريقة القديمة وتزيد في تكوينها حتى تحقق أغراضها المنشودة. ركزت طريقة القواعد والترجمة منذ بداياتها على أهمية تعلم اللغات للتفقه في آدابها وقراءة تراثها الأدبي وتنمية أساليب الكتابة فيها وقد استمدت طريقة القواعد والترجمة هذه الأصول من اقتصارها -في أول أمرها – على دراسة اللغتين اليونانية واللاتينية وهما اللغتان – والثقافتان- اللتان كانتا مطمح الثقافات الأوربية ومقصد عشاق الآداب في العالم الغربي طوال القرون القديمة وحتى عصر النهضة. وهكذا كان هدف تعلم اللغات في هذه الطريقة هو قراءة آدابها والاستفادة من البنى العقلية والفكرية والأساليب الكتابية بها. ومن ثم كان التركيز على مهارتي القراءة والكتابة دون غيرهما، وكان اختيار المفردات قائما على طبيعة النصوص المقروءة فقط، وكانت الكلمة هي وحدة التعلم اللغوي دون النظر إلى السياق الكلي الذي تقع فيه، وكانت الدقة في التعبير القواعدي والمعجمي أهم كثيرا من الطلاقة في استخدامهما، كما تم تدريس القواعد بالطريقة المباشرة بأن تقدم القاعدة للطلاب لحفظها والتعرف على أمثلة منها ومن ثم التدريب عليها، وغني عن البيان أن لغة الطالب الأم كانت هي لغة التدريس ، فلم يك ثم تعليم باللغة المستهدفة. (كيلي Kelly, 1969)                                                                          ومع ظهور القرن التاسع عشر بما شهده من تطور ذكرنا طرفا منه سابقا، دعا الكثيرون من متخصصي تعليم اللغات – منهم مارسيل Marcel  وبرنديرجاست Prendergast وجوين Gouin – إلى إصلاح أساليب التدريس للغات الأجنبية خاصة مع التطور الذي شهدته دراسة اللغة؛ نفسها إذ أسست الجمعية الدولية للصوتيات في 1886 وابتكرت أبجدية التمثيل الصوتي المعروفة ب IPA ولذلك كان الهدف من تعلم اللغات الأجنبية لدى الإصلاحيين هو: دراسة اللغات في شكلها المسموع/ المنطوق أولا، التدريب على نطق أصوات اللغات ومعرفة وصف هذه الأصوات، استخدام المحادثات والحوارات في تقديم التعبيرات والكلمات الجديدة، استخدام الطريقة الاستنباطية في تعليم القواعد بأن تقدم الأمثلة للطلاب ومساعدتهم على استنباط القاعدة العامة التي تنتظم هذه الأمثلة جميعا. وبناء على هذه الأسس ظهرت الطريقة[†] المباشرة Direct Method التي استخدمت اللغة المستهدفة في التعليم بدلا من اللغة الأم ولم تعلم من المفردات سوى ما يحتاجه الطلاب للتواصل اليومي، كما علمت القواعد بالاستنباط، واستخدمت مهارات التحدث والاستماع عند تقديم الجوانب اللغوية الجديدة قبل القراءة والكتابة، وكان تعليم المفردات الجديدة يتم من خلال العروض العملية أو المصورات أو الأشياء الحقيقية، أو من خلال تداعي الأفكار والأمثلة إذا كانت المفردات مجردة. (تيتون Titone 1968).  ورغم أن الطريقة الطبيعية قد دعت إلى -بل وطبقت جزئيا- أسس طيبة في تعليم اللغات الأجنبية، إلا أنها كانت بمثابة رد فعل لتطرف طريقة القواعد والترجمة بدلا من كونها نظرية شاملة لتعليم اللغات؛ فهي لم تبين لنا مثلا الأساس اللغوي الذي تقوم عليه، ولا الأسس النفسية لتعلم اللغات ولا طبيعة المنهج/ المقرر المدرسي وأهدافه وأدوار المعلم والمتعلم. والحق أن معظم طرائق التدريس حتى هذه الفترة كانت تركز على ما يجب أن يتم في الفصل الدراسي بغض النظر عن الأسس العامة والنظريات التي تكون الإطار العام الذي تعمل من خلاله، ولعل أهم إسهام للطريقة المباشرة هو أنها أظهرت-ربما لأول مرة- مفهوم الطريقة method إذ من خلالها انبثقت بعض التساؤلات المهمة والتي أدت إلى الكثير من التطورات في تعليم اللغات. كان أهم هذه التساؤلات التالي (هوايت Howatt, 1984):

  1. ما أهداف تعليم اللغات الأجنبية؟ (هل تحقيق الكفاءة في المحادثة، أم القراءة أم الترجمة أم مهارات أخرى؟)
  2. ما طبيعة اللغة وكيف يؤثر ذلك على طريقة التدريس؟
  3. ما أسس اختيار المحتوى اللغوي في تعليم اللغات؟
  4. ما أسس تنظيم وتتابع تقديم المحتوى بما ييسر عملية التعلم؟
  5. ما الدور المنوط باللغة الأم؟
  6. ما العمليات العقلية والمعرفية التي يمر بها المتعلم والتي قد يحتاج إلى التمكن منها حتى يتسنى له تعلم اللغة الأجنبية؟
  7. ما الأساليب والأنشطة التي تيسر عملية تعلم اللغة وما هي متطلبات استخدامها؟

وقبل أن نرى كيف حاولت طرائق التدريس اللاحقة إجابة هذه الأسئلة، من الضروري أن نميز بين المصطلحات الكبرى الثلاثة “المدخل والطريقة والأسلوب approach, method, technique

جدلية المدخل والطريقة والأسلوب:

كثيرا ما تتداخل هذه المصطلحات الثلاثة في أذهان الباحثين في طرائق التدريس وتتشابك دلالاتها لديهم، ولعل أحد أسباب هذا التداخل هو التفاوت في استخدام المصطلحات التي تشير إلى طريقة بعينها؛ فالمدخل التواصلي مثلا communicative approach أحيانا يشار إليه بأنه الطريقة التواصلية communicative method في حين أن المدخل الطبيعي natural approach  لا تفصل فيه الكلمتان أبدا ولا يشار إليه أبدا ب “الطريقة الطبيعية”  *natural method  كما أن بعض الطرائق تستخدم مصطلحات مغايرة مثل الطريقة الصامتة silent way. ومن أسباب هذا التداخل أيضا عدم اتفاق المنظرين لطرائق التدريس على دلالات هذه المصطلحات الثلاثة وإن كان معظمهم يتبعون نموذج عالم اللسانيات الأمريكي إدوارد أنتوني Edward Anthony (1963) الذي أشاع هذه التسميات الثلاثة ابتدء. وتتمايز هذه المستويات الثلاثة تمايزا هرميا عند أنتوني ؛إذّ يأتي المدخل أولا على رأس القائمة ومنه تنبثق الطريقة ومنها ينتج الأسلوب. فالأسلوب التدريسي عنده يقوم بتنفيذ الطريقة التي تتسق بدورها مع المدخل. وانظر إليه كيف يعرف كل منها:

” المدخل هو زمرة التصورات المترابطة التي تتعامل مع طبيعة تعلم اللغة وتعليمها. إنه مستوى البدهيات النظرية. وهو يصف طبيعة المادة الدراسية المتعلمة”

“الطريقة هي الخطة الكلية للتقديم المنظم للمادة اللغوية والتي لا تتعارض أجزاؤها بل تتسق في مبناها مع بدهيات المدخل النظري. فإذا كان المدخل يمثل المستوى النظري فإن الطريقة تمثل المستوى الإجرائي. وبداخل المدخل الواحد تتعدد الطرائق”

“والأسلوب هو المستوى التطبيقي – ويتمثل في ما يحدث بالفعل في الصف الدراسي، وهو يشمل الاستراتيجيات والخطوات التي تتبع لتحقيق أهداف سلوكية محددة وآنية. ولا بد للأسلوب أن يكون متسقا مع الطريقة و -بالتالي- منسجما مع المدخل” (1963:62-67)

والملاحظ أن أنتوني قد صنف هذه المصطلحات الثلاثة ترتيبا هرميا، بيد أن الممارسات العملية لكثير من المعلمين والمنظرين في طرائق التدريس تبين تداخلا كبيرا بين المصطلحات الثلاثة ، الأمر الذي حدا بروجرز وريتشاردز (2001) أن يدخلا  تعديلا على تصنيف أنتوني بأن ميزا بين الثلاثة مصطلحات كالتالي:

يشمل مصطلح الطريقة Method  ثلاث أركان رئيسة هي : المدخل  Approachوالتصميم Design  والأسلوب الإجرائي Procedure .

  • المدخل يشير إلى نظريتين رئيستين تتكاملان عند تناول تعليم اللغات، هما نظرية اللغة ونظرية تعلم اللغة. تشير الأولى منهما إلى وجهة النظر اللسانية التي تتبناها وتنبني عليها طريقة التدريس وممارساتها -من مثل النظرية البنيوية للغة أو التواصلية أو المعرفية. وتشير الثانية منهما إلى وجهة النظر النفسية التي تتبناها وتنبني عليها الطريقة وممارساتها والتي تنظر إلى عملية التعلم ورؤيتها لكيفية تعلم الإنسان على العموم وتعلم اللغات على الخصوص – من مثل نظرية التعلم بالاشتراط وبالاقتران والتعلم بتكوين العادات و التعلم القائم على النماذج أو على العمليات المعرفية العليا.
  • يشير التصميم إلى المكونات العامة التي تنبني على المنهج، وهو يشمل أهداف التدريس بهذه الطريقة والمحتوى/المقرر والمادة التعليمية وأدوار المعلم والمتعلم و أنواع الأنشطة.
  • ويشير الأسلوب الإجرائي إلى الخطوات العملية التي تتخذ في الصف.

والملاحظ أن روجرز وريتشاردز قد جعلا مصطلح الطريقة مصطلحا كبيرا يشمل المصطلحات الأخرى، وجعلاها كلمة عامة يراد بها كل ما يندرج تحتها. وبالتالي فالتصنيف ههنا ليس هرميا بل خطيا مستويا، وهو أمر يفيد في نقطة أخرى هي أن أيا من المستويات الثلاثة يمكن أن يتم بانعزال عن باقي المستويات ويمكن أن نجد -بناء على ذلك- طريقة غير واضحة المدخل النظري ، مثل طريقة الترجمة والقواعد ، ويمكن أن نجد طريقة تطغى فيها النظرية على الممارسات الواقعية من مثل طريقة الذكاءات المتعددة (كما سيأتي). كما أن هذا التعديل الذي أدخله روجرز وريتشاردز على تصنيف أنتوني قد أضاف مصطلحا جديدا هو “التصميم”.

ومن الواضح أهمية هذا الركن في التعرف على الطرائق المختلفة للتدريس  ولعل السبب في إضافتهما لهذا المصطلح الجديد هو ما كان يعتري المصطلحات الثلاثة الأولى من تداخل كبير في الدلالة والاستخدام حتى إن بعض علماء اللسانيات التطبيقية كان يشير إلى التصميم باعتباره “الطريقة ذات حرف الإم الصغير small-m method  ويشير إلى الطريقة باعتبارها “الطريقة التي تكتب بحرف كبير في بدايتها Capital-M Method وبالتالي يحل مصطلح “التصميم” إشكالية كبيرة، إذ إن فض الاشتباك بين المصطلحات الثلاثة ليس بحاجة إلى المزيد من التعقيد بالتمييز بين الكلمات على أساس حروفها الاستهلالية. ويمكن تمثيل الصياغة الجديدة لريتشاردز وروجرز في الرسم التالي(Richards & Rogers, 2005) :

الطريقة

 

المدخل                                              التصميم                             الأسلوب الإجرائي

-نظرية اللغة                         -الأهداف – الأنشطة – المحتوى                              السلوكيات

-نظرية تعلم اللغة                   – دوار المعلم والمتعلم والمادة                      الملاحظة للمعلم

                                                          التعليمية                                     والمتعلم في الصف

 

نضوج طرائق التدريس: النموذج البنائي والنموذج التواصلي:

ومنذ بدايات القرن العشرين ظهرت مجموعة من طرائق التدريس التي وضح فيها مفهوم المدخل والتصميم والأسلوب، كان من أشهرها الطريقة السمعية الشفوية والطريقة التواصلية والتي سادت الأولى منهما حتى سبعينيات القرن الماضي في العالم العربي و استمرت الأخيرة منهما – وماتزال- حتى بدايات القرن الحادي والعشرين.

وسوف نلقي نظرة فاحصة على هذه الطريقة الأخيرة تمهيدا لرسم معالم المدخل – الذي يشمل العديد من الطرائق- بعد التواصلي والذي بدأ استخدام بعض طرائقه في العالم الغربي منذ أواخر الثمانينيات، ومارسه بعض المعلمين في العالم العربي في أواخر التسعينات والذي يرهص ببداية جديدة لطرائق وأساليب تعليم اللغات الأجنبية للعرب وتعليم العربية للناطقين بغيرها.

يؤكد حجاج وخرما (1988) على أن الطريقة المباشرة وما أعقبها من محاولات إصلاحية – تمثلت في الطريقة الإصلاحية وطريقة القراءة-  كانت مجرد إرهاصات ومقدمات للطريقة السمعية الشفوية البصرية Audiolingual/visual Method  . وترجع أصول هذه الطريقة إلى أعمال علماء اللغة البنيويين Structural Linguists وعلماء الأجناس Anthropologists الذين كانوا يجرون دراساتهم على مختلف اللغات التي يتحدثها الهنود الحمر في نفس الوقت الذي كان علماء النفس يصوغون نظرياتهم السلوكية، مثل نظرية الارتباط والإشراط والدافع وغيرها، وبوجه عام “فقد ساد جو يطالب فيه الجميع بدراسة السلوك الإنساني بما في ذلك سلوكه اللغوي دراسة علمية موضوعية.

وقد أجمل مولتون Moulton 1963 مبادئها الأساسية في خمس فرضيات هي:

  1. اللغة هي الكلام المنطوق، لا الكلام المكتوب. إذ انصب الاهتمام على النطق والتنغيم الصحيحين قبل القراءة والكتابة، والتركيز على اللغة التي يتحدثها عامة الناس في الحياة اليومية بديلا للغة الأدب الرسمية.
  2. اللغة مجموعة عادات، فيتم اكتساب الأطفال للغة عن طريق تكوين العادة سواء بوقوع الاشتراط والاقتران ما بين المثير والاستجابة – تبعا لنظرية ثورديك وبافلوف- أو المحاكاة والاستظهار – كما في نظرية سكنر الإجرائية.
  3. على المعلم أن يعلم اللغة ذاتها ، لا أن يعلم معلومات عن اللغة، في سياق حياتي بدلا من تبديد الوقت في دراسة نظرية عقيمة.
  4. اللغة هي تلك التي يستخدمها أصحابها لا الأنماط اللغوية المعيارية التي يفرضها عليهم آخرون. إذ يتم تعليم الصيغ اللغوية الدارجة مثلها في ذلك مثل الصيغ التي تستخدم في المستويات الأدبية العليا.
  5. اللغات تختلف فيما بينها، وتركز الطريقة على تعليم الفروق بين اللغات خصوصا في مجال الأصوات والتراكيب اللغوية والتعابير الاصطلاحية.

لقد حظيت هذه الطريقة بنجاح كبير ولاقت استحسان المدرسين والطلاب وأولياء الأمور   ، لكن ظهور نظريات سيكولوجية ونظريات لغوية جديدة دفع المهتمين إلى التساؤل عن جدوى هذه الطريقة، خاصة النظريات المعرفية التي تخالف الأسس التي قامت عليها النظريات السلوكية ونادت بالمفهوم القائل بأن التعلم لا يتم فقط عن طريق المثير والاستجابة والعادة؛ بل يولد الإنسان ولديه استعداد للتعلم دعاه تشومسكي  (1957) “جهاز اكتساب اللغة”LAD  ،ومن ثم طرأت تغييرات وتعديلات على هذه الطريقة منها تعليم اللغة القائم على المواقف والمحتوى وظهور الطريقة الانتقائية  التي تستخدم أساليب تدريس من طرائق مختلفة تعبر عن الجوانب الإيجابية  في كل من النظريات السابقة- مع ضرورة الاحتراز أن عملية الانتقاء نفسها لابد أن تكون قائمة على نظرية خاصة في الانتقاء للاستجابة لاحتياجات المجتمع والدارسين.

وعلى أى حال فهذه التعديلات تعكس التطورات المستجدة وخصوصا ظهور النظرية التوليدية التحويلية في علم اللغة  وظهور النظريات المعرفية في التعلم.  مما مهد الطريق في النهاية لظهور طريقة جديدة تركز على الاستعداد للتعلم وحل المشكلات  ودور اللغة التواصلي – هي الطريقة التواصلية.

النموذج التواصلي:

 

 

المدخل ما بعد التواصلي

طرائق متفرقة أم وحدة عضوية؟

في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ظهرت عدة طرائق ومداخل لتعليم اللغات الأجنبية – كلها تعتبر بدائل نظرية وعملية للمدخل التواصلي. منها طريقة الاستجابة الكلية TPR (Total Physical Response)  والطريقة الإيحائية Suggestopedia  وطريقة التعلم النفسي المجتمعي CLL (Community Language Learning) وطريقة النظرة الكلية للمتعلم Whole Language و الطريقة الصامتة Silent Way وطريقة الذكاءات المتعددة Multiple Intelligences وطريقة البرمجة اللغوية العصبية Neurolinguistic Programming  و المدخل المعجمي Lexical approach  والمدخل القائم على الكفايات Competency-based learning.

 وقد تمايزت هذه الطرائق والمداخل لتشكل فيما بينها ما صار يعرف باسم “المدخل ما بعد التواصلي Post-Communicative Approach” أو ما يطلق عليه أحيانا”حقبة ما بعد الطرائق Post methods Era”.  (Richards and Rodgers, 2005) 

وفيما يلي تأطير لهذه الاتجاهات التي تشكل المدخل ما بعد التواصلي:

ملامح المدخل من خلال الممارسات والأطر النظرية:

  1. مدخل يعلي من شأن القدرات العقلية
  2. مدخل يستعيد دور المفردات اللغوية
  3. مدخل يتمركز حول التناص / سياق المحتوى
  4. مدخل يستفيد من منجزات علوم التنمية البشرية
  5. مدخل يهتم بوظائف اللغة كما يهتم بصعوبات التعلم لدى الطالب
  6. مدخل ينحو نحو تكامل المكونات اللغوية
  7. مدخل يتهم بتداولية القواعد أكثر من القواعد

أولا: مدخل يعلي من شأن القدرات العقلية والمقدرات Multintelligencia:

وهذا الملمح من ملامح المدخل ما بعد التواصلي يتمثل بوضوح في طريقة الذكاءات المتعددة وطريقة الكفايات. فبالنسبة لطريقة الذكاءات المتعددة، يرى هاورد جاردنرGardner  المؤسس لنظرية الذكاءات المتعددة أن الإنسان لا يتوافر لديه مجرد قدرة عقلية عامة، بل تتمايز قدراته العقلية في ذكاءات متعددة، وكل منا له حظ من هذه الذكاءات يختلف عن الآخرين. وربما تتوافر الذكاءات جميعا في بعض الأشخاص. ولكن المزية الأساسية لهذه النظرية هي أن كل إنسان ( وبالتالي كل متعلم) ذكي بطريقة ما. وعلى المعلمين استكشاف هذه الذكاءات وتنميتها بدلا من التركيز على شكل واحد من القدرات العامة (لغوية أو منطقية أو رياضية) وإهمال باقي الذكاءات. وقد حدد جاردنر 1985 في كتابه “أطر العقل Frames of the Mind ” سبعة  ذكاءات تتوافر لدى الإنسان هي:

  1. الذكاء اللغوي: أو الذكاء الشفهي هو القدرة على استعمال اللغة والحساسية للكلمات ومعاني الكلمات ومعرفة قواعد النحو والقدرة على معرفة المحسنات البديعية والشعر وحسن الإلقاء. والقدرة على نقل المفاهيم بطريقة واضحة. والأشخاص الأذكياء لغوياً هم الشعراء والخطباء والمذيعون.
  2. الذكاء الرياضي المنطقي: قدرة الشخص الرياضية والمنطقية والتفكير المجرد وحل المشكلات. والأشخاص الأذكياء رياضياً: هم علماء الرياضيات والمهندسون والفيزيائيون والباحثون.
  3. الذكاء الشخصي: قدرة الشخص على تشكيل أنموذج دقيق وواضح من نفسه واستعمال هذا النموذج بفاعلية في الحياة في مستوى أساسي ومعرفة مشاعر المتعة والألم. وهذه صفات العلماء والحكماء والفلاسفة.
  4. الذكاء الاجتماعي: هو قوة الملاحظة ومعرفة الفروق بين الناس وخاصة طبائعهم وذكاؤهم وأمزجتهم ومعرفة نواياهم ورغباتهم. وهذه صفات رجال الدين والساسة المتصفين بالفراسة وسعة المعرفة.
  5. الذكاء الموسيقي: هو القدرة على تميز الأصوات والإيقاعات. مثل المطربين والملحنين والعازفين.
  6. الذكاء الفراغي أو التصوري (أو البصري) سعة إدراك العالم والقدرة على التصور ومعرفة الاتجاهات وتقدير المسافات والأحجام. ومثل أولئك هم المهندسون والجراحون والرسامون.
  7. الذكاء البدني: وهو قدرة الشخص على التحكم في حركات جسده. مثل السباحين، والبهلوانات، والممثلين.

ثم أضاف ذكاءا ثامنا هو الذكاء الطبيعي و يعني به: القدرة على  فهم الطبيعة وما فيها من حيوانات ونباتات والقدرة على التصنيف. ومثال ذلك المزارعون ـ الصيادون.

ومن بعد جاردنر ظهرت ذكاءات أخرى منها الذكاء الوجودي او الروحي  ويتمثل في الأشخاص الذين لديهم قدرة على التفكير بطريقة تجريدية وهم الذين يفكرون بالحياة والموت. وهؤلاء الذين يفكرون في ما وراء الطبيعة أو ما بعد الموت.

ثم استقدم كولمان Coleman 1995 الذكاء العاطفي، ويعني به القدرة على التعرف على شعورنا الشخصي وشعور الآخرين ، وذلك لتحفيز أنفسنا، ولإدارة عاطفتنا بشكـل سلـيم في علاقتنا مع الآخرين.

والجدير بالذكر أن فكرة وجود ذكاءات متباينة لم تكن بدعا جديدا استحدثه جاردنر، بل ذكرت قبله بأسماء أخرى تشير إلى نفس المفهوم، منها نظرية السمات العقلية، ومنها مقال نشره أحمد أمين يتحدث فيه عن النبوغ المتنوع لدى الإنسان ثم جمع هذه المقالات في كتاب فيض الخاطر في عام 1966.

وما يعنينا في هذه النظرية أنها استقدمت إلى حقل تعليم اللغات الأجنبية، ووضعت لها ماري كريتسين Christison 1997  محددات لأنشطة لغوية يمكن استخدامها في تعليم اللغات الأجنبية، منها:

الذكاء اللغوي: أنشطة الخطابة، وسرد القصص والمناظرات وكتابة المذكرات والحفظ والإلقاء والألعاب اللغوية

الذكاء المنطقي: حل المشكلات، إجراء الحسابات، التجارب العلمية

الذكاء الفراغي / التصوري: التصوير، استخدام الاشكال والخرائط العقلية، الرسم، تحليل الخداع البصري، استخدام المجهر

الذكاء البدني: الرحلات الميدانية، التمثيل الصامت، الأعمال اليدوية، الطبخ، لعب الأدوار

الذكاء الموسيقي: الغناء، الإنشاد، الموسيقى، العزف، وإلقاء الشعر، تلاوة القرءان

الذكاء الشخصي: التأمل، كتابة المذكرات، العمل الفردي، قوائم الاختيارات، الأعمال المنزلية

الذكاء الاجتماعي: العمل الثنائي ، العمل الجماعي، قيادة الفريق، التدريس التبادلي، العصف الذهني الجماعي.

وترى كريتسين 1997 أن هناك ثلاث مراحل أساسية يمكن استخدامها عند التدريس باستخدام طريقة الذكاءات المتعددة، هي:

  • إيقاظ الذكاء المخدر: وفيه يحضر المدرس للفصل مجموعة من الأشياء التي يمكن الطلاب من لمسها أو تذوقها أو شمها أو رؤية أبعاد مختلفة منها – وتكون مرتبطة بموضوع الدرس.
  • تعزيز نمط الذكاء الموجود: وفيه يطلب من المتعلمين المشاركة بإحضار أغراض أخرى مشابهة تعبر عن شخصياتهم وأنماط الذكاء السائد لديهم- وقد يتم هذا في مجموعات وفرق- ويملئون ورقة عمل بالملاحظات التي توصلوا لها.
  • التدريس بالذكاء / من أجل الذكاء: وفيه يقدم المعلم عددا من أوراق العمل المتصلة بموضوع الدرس ويطلب من الفرق والمجموعات تسجيل مشاهداتهم أو حل الأسئلة المطروحة عليهم .
  • نقل الذكاء: وفيه يطلب من الطلاب في مناقشة مفتوحة كيفية الاستفادة من المعلومات التي حصلوها في الدرس في حياتهم اليومية أو ذكر أمثلة من الحياة اليومية تعبر عن استخدام مادة الدرس (مفردات – قواعد). (ص: 122).

كما يمكن الاستفادة من نظرية الذكاءات المتعددة في تطويع الأنشطة الجامدة وإخراجها بأشكال أخرى أكثر مناسبة لنمط الذكاء الشائع لدى مجموعة معينة من الطلاب. وفي هذه الحالة يتم توزيع استبيان للطلاب لمعرفة نمط الذكاء المفضل لديهم… ثم تقسيمهم إلى مجموعات متجانسة حسب نوع الذكاء السائد، ثم يتم تصميم النشاط الواحد بأكثر من طريقة حسب الذكاءات الموجودة بالقاعة، ويتم تكليف كل مجموعة بتأدية النشاط طبقا لورقة العمل الموزعة عليهم… بعد ذلك يتم توزيع الطلاب على مجموعات غير متجانسة بحيث يتواجد شخص بذكاء مختلف في كل مجموعة، وتبدأ عملية إعطاء التغذية الراجعة عن النشاط الأخير.

ومهما يكن من شيء فإن طريقة الذكاءات المتعددة تميل نحو نظرية التعلم أكثر منها ناحية نظرية اللغة، ويبدو فيها التكلف في كثير من الأنشطة التي ربما تستهلك الوقت والجهد.

شكل (1) الذكاءات المتعددة التسعة

ويتمثل الملمح الأول للمدخل ما بعد التواصلي – كذلك – في الأسلوب القائم على تنمية الكفايات Competency-based language teaching  وهو مدخل ظهر في نهاية السبعينات على يد شنيك Schenck 1978 كرد فعل لتهافت مفهوم المقدرة التواصلية الذي دعا إليه المدخل التواصلي. فبدلا من الاكتفاء بالمقدرة التواصلية أو الارتداد إلى المقدرة اللغوية القديمة، قدم شنيك عددا من المقدرات competences  المطلوب تنميتها لدى المتعلم بناء على المخرجات المستهدفة ILOs (intended Learning Outcomes) . وهو يرى أن هذا المدخل : “قائم على المخرجات ومتكيف مع احتياجات الطلاب والمعلمين والمجتمع … وكما أن الاحتياجات والمقدرات تختلف من طالب لآخر، فكذلك المخرجات تتباين في مستوياتها” (ص: 141)

ويستعرض اورباك Auerbach 1986 العوامل الأساسية المتضمنة في تطبيق برامج مدخل الكفايات كالتالي ( ص ص: 414-415):

  • التركيز على التعامل الناجح في المجتمع: بجعل الطلاب مستقلين وفاعلين في مجتمعاتهم
  • التركيز على المهارات الحياتية: بدلا من تعلم اللغة في قوالب شبيه بالحياة، يتعلم الطلاب اللغة في الحياة من خلال تقييم دقيق للمتطلبات كل مرحلة تعليمية
  • التركيز على المهام أو الأداء: فما يهم هو الأداء الذي يعكس المعرفة وليس المعرفة التي ربما لا تتمثل في أداء ناجح
  • التعليم الموديولي: بتقسيم اللغة إلى موديولات متدرجة متكاملة ذات معنى واقعي للطالب
  • الأولوية للمخرجات: بتحديد المتوقع من الطالب قبل الدراسة والتركيز عليه اثناءها لتحقيقه تماما بعدها.
  • التقييم مستمر ومتواصل: وذلك بتحديد الواقع الحالي والمستهدف وتحديد الفجوة بينهما ومن ثم العمل على تنفيذ مخرجات تسد هذه الفجوة
  • استعراض اتقان الأهداف الأدائية: بديلا عن الاختبارات الكتابية تستخدم اختبارات الأداء الاستعراضية
  • التدريس التفريدي والمتمركز حول المتعلم: بالنسبة للمحتوى والمستوى والسرعة والأهداف والتقييم.

وهذا المدخل قد أثبت فعالية كبيرة خاصة في تعليم المهاجرين واللاجئين لأنه اعتمد على تأهيليهم للحياة في المجتمعات الجديدة والتفوق في التعامل معها. ويقول ريالت ولوهان Rylatt & Lohan  (1997: 18): يمكننا القول بثقة ونحن على أعتاب المليونية الجديدة أن عملية تنشيط المقدرات / الكفايات ستظل واحدة من أسرع الصناعات والأوليات في هذا العالم”.  كما تطور هذا المدخل إلى شيوع ثقافة المعايير والمؤشرات والعلامات الهادية فيما بعد standards, indicators, benchmarks

ثانيا: مدخل يستعيد دور المفردات اللغوية Phraseology

رغم أن بالمرز Palmers قد ركز في بداية القرن العشرين على أهمية المفردات اللغوية في تعلم اللغات الأجنبية واعتبرها أصغر وحدة لغوية للتعلم، إلا أن التابعين لبالمز ابتعدوا عن هذه الفكرة كثيرا وركزوا على النصوص الكلية، من مثل محاولات ميكل ويست Michael West التي قدم فيها عددا كبيرا من عيون الأدب العالمي بلغة مبسطة وبنى على أساسها “طريقة ويست الجديدة” التي تعتمد القراءة الموزعة Extensive reading أساسا لها. ومن مثل محاولات لويس ألكساندر L.G. Alexander  التي انتهج نفس نهج ويست ولكنه جعله متدرجا قواعديا وليست مفرداتيا.  وفي المدخل ما بعد التواصلي، تعود فكرة بالمرز مرة أخرى للحياة من خلال المدخل المعجمي الذي يعني عناية خاصة بالمفردات والاشتقاقات ومعالجة الصيغ المختلفة للألفاظ. وهو مدخل ينسب إلى عدد من الباحثين منهم ويليس Willis 1990 من خلال المنهاج المعجمي الذي ابتكره lexical syllabus ولويس Lewis من خلال تبنيه للمدخل المعجمي lexical approach بالإضافة إلى كتابات نيتنجر ودي كاريكو Nattinger and De Carrico 1992 المتمثلة في طرحمها تدريس اللغة من خلال التعبيرات المفرداتية Lexical phrases and language teaching. كما ينسب كذلك لتشومسكي Chomsky الذي أكد في نظرية المنيماليزم minimalism  على أن المفردة هي الرأس lexicon is prime.  وبناء على هذه المحاولات الأولية، ظهرت عدة ذخائر / مكانز لغوية corpora  أشهرها مكنز COBUILD Bank of English Corpus والمكنز الدولي لكامبردج Cambridge International Corpus والمكنز البريطاني القومي British National Corpus والمكانز هي تجمعات ضخمة للألفاظ وتواردها، ونسبة تكرارها وشيوعها في النصوص المكتوبة والمنطوقة .. يستخدم في تجميعها ورصدها أجهزة الحاسوب المتقدمة. وتقدم لنا خدمات جليلة خاصة بالمتواردات Collocations والمترادفات synonyms  والمتضادات antonyms .

ويرى لويس Lewis 2000 أن هناك مسلمات أساسية في المدخل المعجمي:

  • أن تعلم المفردات يتبع من التعرض لها في مواقف مختلفة
  • أن التعرف على المتواردات أمر ضروري ولكن ليس كافيا لتحول التعلم من مدخلات input إلى مفهومات intake ومن ثم مستوعبات[‡] uptake
  • أن ملاحظة الاختلافات والتشابهات والقيود والأمثلة كلها تساهم في تحول المدخلات إلى مفهومات…
  • أن إنتاج اللغة ليس نتيجة للقواعد الصورية ولكن نتيجة لتراكم المفردات والامثلة في خبرة المتعلم
  • أن المنهاج الخطي linear syllabus لا يصلح لتعليم الطبيعة اللاخطية لاكتساب اللغة

ويرسم لنا وولارد  Woolard 2000 خطوط عريضة لمسار الدرس في المدخل المعجمي كالتالي:

  • تدريس المتواردات كل على حدة
  • توعية المتعلمين بالفروق بين المتواردات
  • تبيان المحددات والقيود على استخدام الألفاظ المتواردة في السياقات الخاصة
  • تخزين المتواردات من خلال احتفاظ المتعلمين بدفتر المفردات.

ومهما يكن من أمر فإن المدخل المعجمي قد استعاد للمفردات دورها المهمش، لكنه لم يقدم صورة متكاملة لتعليم مهارت اللغة المختلفة، واقتصر على الدراسة اللغوية الاشتقاقية التي تجد متعة لدى المعلمين والمتعلمين على حد سواء لاستكشاف غوامض اللغة الأجنبية ومعرفة الفروق اللغوية.

شكل (2) نموذج للبحث في المكانز باستخدام الحاسوب ) في الإنجليزية)

 

 

 

 

 

 

 

 

شكل (3) نموذج للبحث في المكانز باستخدام الحاسوب (في القرآن)

ثالثا: مدخل يهتم بالتناص / سياق المحتوىIntertextuality :

ومن ملامح المدخل ما بعد التواصلي أنه يفيد من الرسالة  Message في تعميق الوسيلة Medium .  فكما هو معلوم أن تعليم اللغات الأجنبية يركز على الأبنية دون النظر لطبيعة المحتوى المقدم اللهم إلا من جانب تعزيز الثروة المفرداتية عن الموضوع. فإذا ما صار الموضوع نفسه هو بؤرة التركيز صارت تعلم اللغة هامشيا وهو ما نراه في تعلم الإنجليزية للأغراض الخاصة ESP (English for Specific Purposes). والحقيقة أن اندماج الطلاب في موضوع معين شيق بالنسبة لهم يجعلهم يكتسبون اللغة بشكل لا واعي، لان التركيز الآن لا يكون على التركيب ولا اللفظ بمقدار ما هو على فهم المعنى المثير ومتابعة الحدث الشيق فتتركز اللغة واستخداماتها وقواعدها في خلفية عملية التعلم لدى الطالب وعندما يستدعي المعرفة المحصلة يفاجأ بأنه يستدعيها بسهولة بنفس الألفاظ والتراكيب التي لم يبذل مجهودا في تحصيلها.

ومن أبرز جوانب هذا الملمح المدخل القائم على المحتوى Content-based instruction (CBI) والذي ينبثق من تصورين أساسيين هما:

  • أن الناس يتعلمون بفعالية أكبر عندما يستخدمون اللغة كأداة / وسيلة لاكتساب المعرفة وليس كغاية في حد ذاتها
  • أن المحتوى المختار بعناية يعكس احتياجات المتعلم في اللغة الأجنبية.

(Grandin 1993, Wesche 1993)

ومصداقا لهذه التصورات، نذكر كيف تعلم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده اللغة الفرنسية في نهايات القرن التاسع عشر قبل أن تنضج علوم طرائق التدريس وأساليبها بعشرات السنين؛ إذ يذكر تلميذه الشيخ رشيد رضا أن الأستاذ الإمام طلب من معلم للفرنسية أن يأتيه ليعلمه فأتاه المعلم حاملا كتابا للقواعد، فاستنكر الإمام ذلك وسأل عن أشهر أدباء فرنسا فعلم أنه فيكتور هوجو وسأل عن أعظم أعماله فعلم أنها “البؤساء” فطلب من المعلم أن يأتيه بهذه الرواية وأن يتركه يستكشف مغاليق اللغة على أن يراجعة مرة كل أسبوع فيعرض عليه الإمام ما فهمه وما توصل إليه فيثبت المعلم ذلك أو يصححه. (Abdellah, 2012).

وللمعلم دور كبير في هذا المدخل؛ إذ أنه من يختار المحتوى طبقا لاهتمامات المتعلمين ويثير أهتماماهم وينوع من أساليب التقديم وهو بالنسبة لهم الحجة في الموضوع الذي إليه يرجعون. وأهم من دور المعلم ههنا دور المادة التعليمية والتي تعتمد على مواد حقيقية authentic لم تصمم لأغراض تعليمية ابتداء وإنما هي كما هي في الحياة اليومية – وهذا ما يشعل حماس المتعلمين إذ أنهم يرون القيمة الحقيقية لتعلمهم شيئا مرتبطا ارتباطا وثيقا بحيواتهم. وقد تشمل المادة التعليمة أدلة السياحة والسفر والصحف اليومية وجداول مواعيد القطارات والطائرات و برامج الإذاعة والتليفزيون … إلخ وبالتالي لا يوجد كتاب دراسي ثابت.

 

ومعظم الجامعات الغربية تعتمد هذا المدخل في تعليم الإنجليزية للناطقين بغيرها من خلال تقديم عدد كبير من الموضوعات للطلاب يختارون منها ما يناسبهم أو يناسب طبيعة دراستهم ما بعد الأولية ويتم التسجيل فيها.. وبالتالي يكون تقسيم المجموعات بناء على الاهتمامات أكثر منه بناء على مستوى الكفاءة اللغوية.

ورغم أن فكرة المدخل القائم على المحتوى قديمة إلى حد ما- فقد ظهرت منذ الثمانينات- إلا أن تطورات كثيرة طرأت عليها من مثل البرامج التالية التي تقدم في بعض الجامعات الغربية:

  • التعليم القائم على الموضوعات Theme-based language instruction
  • التعليم الحاضن للمحتوى sheltered content instruction
  • التعليم الموازي للمحتوى Adjunct content language instruction
  • تدريس الفريق Team teach

ورغم فعالية هذا المدخل في تعليم اللغات إلا أنه لم يسلم من نقد يتركز على صعوبة إعداد المعلم الكفء لهذا النوع من التعليم.

رابعا: مدخل يفيد من منجزات علوم التنمية البشرية NLP

إن تداخل العلاج النفسي مع طرائق التدريس ليس بالأمر المستحدث، فقد تلا ظهور المدخل التواصلي واتساعه ظهور لطرائق تدريس تستفيد من أساليب العلاج النفسي تمثلت في طريقة التعلم المجتمعي CLL (Community  Language Learning) والتي يتم التعامل فيها بين المعلم والمتعلم بأسلوب أشبه ما يكون بأسلوب تعامل المعالج النفسي والمريض. كذلك ظهرت الطريقة الإيحائية Suggestopedia  وفيها يتم الاستفادة من العقل اللاواعي باستخدام تأثيرات الصوت واللون والأثاث والموسيقى الخلفية والديكور لإحداث تعلم لا واعي.

 

ولكن المدخل ما بعد التواصلي يمتد لأبعد من ذلك فيفيد من علوم التنمية البشرية الذاتية ومنها “البرمجة اللغوية العصبية Neurolinguistic programming” ورغم أن بداية ظهور هذا الأسلوب النفسي لتفيعل الثقة بالذات والآخرين كان في السبعينات ( على يد جون جرندلر  عالم النفس وريتشارد باندلر عالم اللغة Grindler & Bandler) إلا أن استقدام هذا العلم في حقل تعليم اللغات الأجنبية لم يظهر إلا في أواخر التسعينات على يد رافيل ونورمان Revell & Norman, 1997, 1999 واللذين يعرفان البرمجة اللغوية العصبية بأنها “مجموعة من الأساليب والأنماط والاستراتيجيات للمساعدة في التواصل الفعال والنمو الشخصي والتغير والتعلم”.

كما يقدم لنا رافيل ونورمان عددا من الأفتراضات الأساسية التي تحكم نظرية اللغة والتعلم باستخدام البرمجة اللغوية العصبية:

  • العقل والجسد مرتبطان معا؛ فهما جزء من نفس النظام وكل واحد منهما يؤثر في الآخر
  • الصورة الذهنية تختلف عن الحقيقة الواقعية
  • لا يوجد فشل، ولكن يوجد فرص متجددة للنجاح
  • يمكنك أن تجعل الصورة الذهنية هي الحقيقة ان آمنت بها
  • معرفتك ما تريد تساعدك في الحصول عليه
  • المصادر التي نحتاجها كلها بداخلنا
  • التواصل لفظي وغير لفظي
  • العقل اللاواعي له أهمية كبيرة
  • كل سلوك له نية إيجابية
  • نمذجة السلوك المتميز تؤدي للتميز
  • في أي نظام، يكون العنصر الأكثر مرونة هو صاحب التأثير الأكبر على هذا النظام

 

ويبدو أن البرمجة اللغوية العصبية ليست طريقة تدريس بالمعنى التقليدي ولكنها أسلوب لإدارة الصف تعتمد على التحفيز ورفع الروح المعنوية وتنمية القدرات النفسية للطلاب كي يصيروا متأهلين لتحصيل المعلومات والوصول إلى أعلى المستويات الممكنة في تعلم اللغات.

ويعلق ريتشاردز وروجرز Richards & Rodgers 2001  على هذه الطريقة بقولهما: “إنها ليست طريقة ولكنها فلسفة إنسانية وزمرة من المعتقدات والمقترحات قائمة على الدراسة للنفس البشرية وهدفها التأثير على الأخرين بإقناعهم أن لديهم الطاقة لضبط حياتهم وحيوات غيرهم” (ص. 130) وبناء على ذلك فإنه المأمول أن من يستخدم هذا الأسلوب من المعلمين سيصير معلما أكثر فعالية وتأثيرا ممن لا يستخدمه.

خامسا: مدخل يهتم بوظائف اللغة كما يهتم بصعوبات التعلم لدى الطالب TFR

ليس جديدا التركيز على إعمال جانبي المخ وتنشيطها في مجال التعليم والتعلم. وقد ظهرت بدايات هذا الأمر مع آشر عام 1969 عندما استحدث طريقة الاستجابة الحركية الكلية TPR (Total Physical Response) . وليس جديدا التطبيقات التي تلت هذه الطريقة والمتمثلة في قيام المدخل الطبيعي عند كراشن Krashen 1981  والذي ميز بين التعلم والاكتساب وسعى كي يحول تعلم اللغات الأجنبية إلى بيئة أقرب للطبيعية ليتم الاكتساب.

ولكن الجديد الذي يتضمنه المدخل ما بعد التواصلي هو طريقة الاستجابة الوظيفية الكلية TFR (Total Functional Response) وهي التطور الطبيعي لل TPR فهي تعتمد كذلك على طبيعة الاستقبال أولا ثم الإنتاج لاحقا، وتعتمد على تفعيل الجانب الأيمن – فضلا عن الأيسر من المخ- وعلى تخفيف الضغط على المتعلمين فلا حاجة لإنتاج استجابات لفظية منطوقة أو مكتوبة حتى يتهيأ المتعلم تماما للقيام بهذه الاستجابة. إلا أن الاستجابة الوظيفية تؤكد كذلك على ربط كل هذه الجوانب بالمدخل الوظيفي للغة وذلك بناء على نتائج البحوث في تحليل الخطاب Discourse analysis ونظرية الاسكيماSchema  وعلوم التداولية Pragmatics وعلم اللغة الوظيفي Functional linguistics  التي ارتأت ضرورة إعادة اكتشاف المدخل الوظيفي برؤية جديدة في هذه الرؤية يتم الترحاب باستخدام اللغة الأم أثناء تعلم اللغة الأجنبية مع تخفيف التوتر باستخدام تطبيقات الاستجابة الحركية ثم التحليل التقابلي contrastive analysis  للطبيعة الوظيفة اللغوية في كلا اللغتين. وقد طبق هذا الأسلوب في بعض مدارس أستراليا واعتمد التدريس فيها على خمسة أجناس نصية (كما يذكرها روجرز Rodgers 2001):

  • التقرير Report وفيه يتم اطلاع الطلاب على عدد من النصوص القصيصية المصورة
  • الإجراء Procedure وفيه يتم توزيع القصص عليهم وتركهم لاستكشافها
  • الشرح Explanation يتولى المعلم توضيح الأحداث ويقوم بتمثيلها أثناء القراءة ويمثل معه الطلاب
  • العرض Exposition وفيه يعرض الطلاب ما فهموه من الشرح مقترنا بالحركات التمثيلية
  • الاستعادة Recount وفيها يتذكر الطلاب التعبيرات باللغة الأجنبية ويذكرونها ثم يستخدمونها في مواقف مشابهة.

وهو -كما يلاحظ – أسلوب تعليمي يعني بمراعاة صعوبات التعلم لدى المتعليمن خصوصا في مجال الإنتاج (الحديث والكتابة)، كما يعني بالتعرف على الوظيفة الحقيقية لتراكيب اللغوية، ولا غضاضة في الاستعانة باللغة الأم لتحقيق هذا الهدف. 

سادسا: مدخل ينحو نحو تكامل المكونات اللغوية (الطريقة الكلية)

يطلق روجرز على هذا الجانب من المدخل بعد-التواصلي “تكاملية الأوزون اللغوية O-zone Whole language” 2001 والمقصود به تنمية وعي المتعلم بطبيعة عمل اللغة من خلال برنامج تتكامل فيه الدراسة الأدبية وورش عمل الكتابة والمحتوى الواقعي وتعاونية المتعلمين.  وقد صار هذا الاتجاه شائعا في تسعينات القرن الماضي كأسلوب للتعليم الحر للأطفال في المرحلة الابتدائية ينبني أساسا على محتوى واقعي للقراءة وبالتالي يختار فيه المتعلمون ما يرغبون في قراءته ويتفاعلون مع المقروء من خلال استكشاف الأشكال والرموز والصور للوصول إلى معنى متكامل ومن ثم تبدأ عملية التعبير عن المفهوم. والأسس الكبرى التي بني عليها هذا الاتجاه هي (Rigg, 1991:526) :

  • استخدام مواد تعليمية حقيقية
  • التركيز على الأحداث الطبيعية وليست المهيئة للتدريس
  • اعتماد الأقاصيص والاعمال الأدبية كأساس في القراءات المعروضة
  • القراءة من أجل الفهم ولغرض حقيقي
  • الكتابة لجمهور حقيقي وليس تدريب على تنمية المهارات الكتابية
  • الكتابة عملية يستكشف خلالها المتعلم المعنى
  • تستخدم المادة المكتوبة من الطلاب كأساس لتدريبات القراءة
  • تتم عملية القراءة وعملية الكتابة في شكل جماعي من خلال الكتب الكبيرة Big books ومن خلال كتابة الملصقات
  • يشجع المعلم المتعلمين على اقتحام الجديد ويتسامح مع ارتكاب الأخطاء ،ورغم تشابه هذه الطريقة مع التعليم القائم على المحتوى، إلا أنها تتمايز عنها في جعل مادة القرءاة هي كتابات المتعلمين أنفسهم بعد مرحلة القراءة الأولية… وبهذا  تتكامل شخصية المتعلم – القارئ – المفكر- الكاتب – المبدع – العارض لأفكاره – المتقبل للنقد – المصوب لأخطائه.  

سابعا: مدخل يتهم بتداولية القواعد  أكثر من القواعد

لا ينفك تعليم اللغات عن تناول القواعد النحوية  Grammar  بشكل من الأشكال؛ منها الأسلوب التدريسي الاستقرائي inductive  الذي يعتمد على تقديم عدد كبير من أمثلة القاعدة وبعدها ينتج الطلاب – بمساعدة المعلم – القاعدة. ومنها الأسلوب الاسنباطي Deductive   الذي يقدم القاعدة في شكل معادلة أوصيغة معينة formula وبناء عليها يستنتج الطلاب عددا كبيرا من الأمثلة. والجديد في المدخل ما بعد التواصلي هو ما تقدمت به ديان لارسن فريمان أستاذة علم اللغة التطبيقي وطرائق التدريس بجامعة ميتشجن؛ حيث نحتت مصطلح “تداولية القواعد” [§] grammaring  وميزت بينه وبين القواعد grammar في عام 1997 ثم توسعت في استخدامه عام 2003.

وفريمان تفند دعاوى إهمال القواعد التي كانت سائدة في المدخل التواصلي بزعم أن اكتساب اللغة لا يحتاج لشكل القواعد بل لمعانيها وبزعم أن تدريس القواعد يؤدي إلى معارف معطلة عن التطبيق في الاستخدام. فندت فريمان هذه الدعاوى ابتدأ بالتفريق بين تعلم اللغات الأجنبية واكتساب اللغات الأم؛ ففي الأخيرة لا حاجة لتدريس القواعد لأن الطفل يكتسبها من البيئة المحيطة، ولكن الأمر ليس كذلك في الأولى حتى وإن كان المتعلم في بيئة اللغة الأجنبية فلا غنى له عن تعلم القواعد. أما أن تدريس القواعد يؤدي إلى معارف معطلة Inert knowledge فالمشكلة فيها في عملية التدريس وليس في القواعد نفسها. والحل عند فريمان هو في أن ندرس القواعد بشكل طبيعي كما نفهمها وكما نفكر بها.  وبناء على ذلك فلكل قاعدة عند فريمان ثلاثة أوجه:

  • الشكل : أي صياغة القاعدة وهذا جانب الدقة accuracy
  • المعنى : أى المعنى المتلازم لهذا الشكل، وهذا جانب الدلالة meaningfulness
  • الاستخدام: أي كيفية استخدام القاعدة للتعبير عن المعنى، وهذا جانب المناسبة appropriateness

والأوجه الثلاثة تعمل معا بشكل تكاملي بداخل السياق. كما في الشكل (5)

ويمكن بيان هذه الأوجه الثلاثة في المثال التالي حول أحوال الملكية في الإنجليزية :

مقابل لتراكيب الاسناد

 

وهذه الجوانب الثلاثة هي التي تشكل مفهوم “تداولية القواعد grammaring” بمعنى أن تعليم تداول القواعد لابد فيه من تعليم الجوانب الثلاثة في سياق ذي معنى. وهناك عدة مبادئ لهذه النظرية أهمها ما يلي:

  1. أن التراكيب القواعدية لها معنى بذاتها منفصل عن استخداماتها
  2. أن التحدى الأكبر عند تعلم القواعد ليس شكل / صيغة القاعدة
  3. أن التركيب يمكن أن يتضمن ألفاظا، بل أنه من الأفضل تذكر القواعد في صيغ تتكامل فيها القاعدة مع الألفاظ المذكرة بها Lexicogrammatical
  4. لا يمكن في معظم الأحوال تبيان القاعدة على مستوى الجملة فقط ، بل هناك حاجة دائمة لاستخدام السياق الأكبر لبيان المعنى والاستخدام.                                                                                                                                  وبناء على هذه الفكرة، ترى فريمان أن “تداولية القواعد” grammaring  ليست مجرد مكون من مكونات اللغة بل هي مهارة قائمة بذاتها مثلها في ذلك مثل القرءاة والكتابة والاستماع والتحدث. وتعرف هذه المهارة على أنها “القدرة على استخدام القواعد المتكاملة مع الألفاظ بدقة وبمعنى وبشكل مناسب” (2008) . 

كما ترفض فريمان فكرة التدريبات التكرارية drills  التي كانت السمة الغالبة لتدريس القواعد في معظم الطرائق السابقة وعلى رأسها الطريقة السمعية الشفهية Audiolingual  ، وترى أن تعلم القواعد بشكل طبيعي يستلزم أن تكون الأنشطة كذلك طبيعية سيكولوجيا ( أي أن تتوافق ظروف التعلم مع ظروف الاستدعاء)

كما أضافت فريمان عددا جديدا من المبادئ لما اعتبرته “مدخل تداولية القواعد Grammaring approach” هي:

  • من الضروري تعليم الطلاب أسباب استخدام قاعدة معينة أكثر من تعليمهم صيغة القاعدة نفسها
  • أن القواعد ليست ثابتة ولكنها ديناميكية (وهذا واضح في دلالة وضع ing لكلمة grammar) وبالتالي تتغير في السياقات المختلفة وبين الأفراد.
  • أن مهمة المعلم هي استيعاب الطلاب في مواقف يستخدمون فيها القاعدة وليس تسليتهم للتغلب على ملل القواعد.

ورغم انفراد لارسن فريمان بهذا التوجه الجديد، الإ أنه يشابه – من جانب – ما توصل إليه العلامة حسان تمام في نظريته حول ” تضافر القرائن اللغوية (المعنوية واللفظية) لتبيان المعنى” والتي قدمها في كتابه “اللغة العربية معناها ومبناها” 1973 وطبقها بعد ذلك على مختارات من نصوص قرآنية في كتابه “البيان في روائع القرآن” 1993. إلا أن اجتهاد تمام لم يؤصل في طرائق تعليم العربية، وإنما بقى تجديدا في الدرس النحوي العربي، في حين أن اجتهاد فريمان كان منصبا على تعليم القواعد للناطقين بغير اللغات الأم ابتداء. كما أن فريمان طورت هذا المدخل الجديد وأعتبرته مكونا أساسيا لنظرية في تعلم اللغات واكتسابها والتي أطلقت عليها نظرية النسق الفوضوي complexity / chaos theory وهي تعتبر تطبيقا لنظرية الشواشي Chaos theory  التي اشتهرت في علوم الطبيعة والفيزياء ثم انتقلت إلى العلوم الإنسانية والسياسية ومن ثم إلى علوم تعليم اللغات.

 

بقي أن نشير إلى أمرين هامين بخصوص هذا الاستعراض التاريخي لاستخلاص ملامح المدخل ما بعد التواصلي في تعليم اللغات لغير أهلها. الأول أن تعبيرنا “ما بعد التواصلي” لا يعني التخلي عن الوظيفية التواصلية للغة ولا يتجاوزها إلى وظيفة جديدة للغة. وإنما يشير إلى الممارسات التي انتظمت تعليم اللغات الأجنبية بعد ظهور المدخل التواصلي. الأمر الثاني هو أن هناك ثلاثة معايير أتبعناها في تحديد ما يدخل ضمن هذا المدخل ما بعد التواصلي وما يخرج منه. هذه المعايير الثلاثة هي كالتالي:

  • الحداثة: بمعنى أن يكون المدخل أو الطريقة أو الأسلوب قد ظهر بعد ظهور المدخل التواصلي؛ أي في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وحتى الألفية الثالثة. وبهذا خرج من هذا العرض طرائق مثل “الاستجابة الجسدية الكلية TPR و الطريقة الإيحائية Suggestopedia و طريقة التعلم المجتمي Community Language Learning  والطريقة الصامتة The Silent Way.
  • الخصوصية اللغوية: بمعنى أن يكون المدخل التربوي المستخدم له نظرية في اللغة وليس تطورا في طرائق التدريس التي تصلح لكل المواد الدراسية. وبهذا خرج من هذا العرض مداخل مثل: التعلم التعاوني Cooperative Learning والتعلم النشط Active Learning واستخدامات مستحدثات التكنولوجيا جميعا من مثل التعلم الدمج Blended Learning والتعلم الألكتروني E-learning و التعلم الجوال M-learning والتعلم القائم على الويب  Web-based instruction.
  • التطبيقات التربوية: بمعنى أن يكون للمدخل أو الأسلوب تطبيقات تربوية فيممارسات تعليم اللغات ولا يقتصر على نظرية لغوية فقط. وبذلك خرج من هذا العرض نظريات مثل “نظرية التفاضل اللغوي Optimality Theory عند كروجر ، ونظرية البرنامج الأدنوي  Minimalist program  عند تشومسكي.

خاتمة

و بعد هذا العرض لطرائق ومداخل وأساليب تعليم اللغات وملامح المدخل بعد التواصلي التي حددنا بعضا منها، يأتي دور السؤال المهم؛ وهو: أين تعليم العربية للناطقين بغيرها من هذه التطورات؟

وأحسب أن العربية بطبيعتها لغة خصبة ولود لينة طيعة تتوافق مع معظم التطوارت بل وتدافع عن نفسها في مواجهة تغول الآلة وتكشف عن مكنوناتها الثرية الطيعة الجاهزة للتشكل وفق معظم النظريات والمداخل والأساليب.

ويكفي أن نلقي نظرة على أحد البرامج الحاسوبية التي صممت للبحث في العلائق النحوية والصرفية باتباع منهج النحو التوليدي لتشومسكي وكيف بهرت العربية الباحثين بإبراز أفضل ما في هذا الأسلوب التحليلي من خلال العلاقات اللفظية والتركيبية الداخلية والتي أثرت البرنامج بدلا من أن تسبب له إشكالية في التعامل.

شكل (7) نموذج للمعالجة الحاسوبية للعربية.

أقول: إن العربية مهيأة لكل ذلك ولكن لابد من تطور جانب تعليم العربية وطرائق تدريسها جنبا إلى جنب مع تطور الدرس اللغوي والتطبيقات اللغوية والتربوية الحديثة. ومما عرضنا من ملامح المدخل ما بعد التواصلي نري الآتي:

  • أن تطبيقات تعليم العربية باستنطاق الذكاءات المتعددة أمر بدأ بالفعل مع انتشار هذه النظرية في الحقل التريوي في البلاد العربية واستقدامها في التخصصات المختلفة، إلا أن جوانب الذكاء المكتشفة حديثا ( الوجداني – الوجودي -الطبيعي) تحتاج المزيد من التطبيقات والدراسات في مجال تعليم العربية لغير أهلها.
  • أن العربية هي أنسب اللغات للمدخل المعجمي الذي ينصب على دراسة المفردات واشتقاقاتها ومعالجتها حاسوبيا، وذلك لثراء المفردات في العربية ووفرة الأوزان والاشتقاقات، وتميز العربية بظاهرة المعنى القواعدي grammaticalized meaning فضلا عن المعنى المعجمي lexicalized meaning، ويكفي لذلك مثالا لفظة “أنلزمكموها؟” القرآنية والتي تحتاج إلى ثمان كلمات للتعبير عن نفس المعني بالإنجليزية: Should we then compel you to accept it?   وما الألغاز اللغوية ومسائل النحويين القدامى والمحدثين منا ببعيد في هذا الشأن مع ضرورة أخذ السياق المعاصر وفصيحة المثقفين في الاعتبار عند تصميم أنشطة مشابهة.
  • أن أفضل محتوى يتم التركيز عليه في العربية هو كتاب العربية الأول “القرآن الكريم” وسياقات نماذج مختارة من الآيات فيه – ويفضل أن تكون من القصص القرآني المشهور بما يثير رغبة المتعلمين في المتابعة ويلبي عندهم حاجات لغوية ونفسية لاستكشاف العلاقات والتوصل الحر للمعنى. وهذا المجال يحتاج الكثير من الجهود للافادة من هذا المعين الإلهي الذي لا ينضب في أسلوب التركيز على المحتوى والتناص… والقرآن هو الكتاب الأول، ولكن هذا لا ينفي إمكانية استخدام محتويات أخرى مناسبة من القصص النبوي والشعبي العربي.
  • أحسب أن العربية هي من أنسب اللغات لتطبيق جوانب علوم التنمية البشرية بقوة أصواتها ووضوح مخارجها وموسيقاها الداخلية التي تتجلي أفضل ما تكون في القرءان والأشعار، وبقليل من التنظيم والتنسيق والإقدام في التجربة، قد نجني ثمارا دانية من البرمجات اللغوية العصبية وتطبيقاتها في تعليم العربية خاصة في وجود معلم مخلص ومبدع.
  • والحاجة أكبر لتطبيقات الاجتهادات الكثيرة في التنظير لعلم اللغة العربي في مجال التعليم لهذه اللغة العظيمة، بداية من جهود ابن مضاء الأندلسي وابن هشام والجرجاني قديما وجهود إبراهيم مصطفى وإبراهيم أنيس وشوقي ضيف وتمام حسان حديثا، وتوازي هذا مع جهود المنظرين في نظريات التعلم الإدراكي والمجالي والبرنامجي  ونظريات تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة وذوي صعوبات التعلم ، لنخلص من هذه الكنوز إلى صيغ ملائمة لتحقيق استجابة المتعلم الكلية الوظيفية، وبما تكون محاولة عمر عكاشة في “فصول من النحو الغائب” تستحق النظر والدراسة في هذا الشأن.
  • إن إدماج المستعربين في عملية الكتابة منذ اللحظات الأولى لتعلم العربية يؤتي بنتاج جيدة للغاية خاصة عندما يحسن المتعلم استخدام الأدوات المتاحة لديه وما وقع في حصيلته اللغوية من مفردات وتراكيب وتعبيرات مختلفة. ولربما تكون الطريقة الكلية التكاملية بين قراءة النصوص ومن ثم التعليق عليها ثم الشروع في التعبير الكتابي عن موضوعات مشابهة تتخذ مادة للقراءاة التالية، ربما تكون من أوفق الطرائق لتحقيق نشاط دائم في الصف يقضي على الملل ويركز العمل طبقا لرغبات المتعلمين.
  • وأخيرا لا أحسب أن لغة اهتمت بدراسة تراكيبها كما اهتم العرب بدراسة النحو العربي عبر العصور، حتى أطلق عليها إبراهيم أنيس “سلطان النحاة” الذين كانوا يقفون بالمرصاد لأي لحن يخالف ما وقر لديهم من قواعد. ومثل هذا الاهتمام الكبير ينبغي أن يتطور مع تطور آلة البحث في التراكيب النحوية والتداولية القواعدية. وينبغي أن لا تنصل عرى البحث اللغوي عن عرى البحث التطبيقي اللغوي في طرائق التدريس لتحقيق التداولية القواعدية التي أشارت إليها فريمان.

ومهما يكن من أمر فإن التحدى الأكبر أمام تعليم العربية ليس في المادة العلمية – إذ هي زاخرة ثرية خصبة، وليس في إقبال المتعلمين – إذ أنهم يدخلون في فصول العربية أفواجا ويتزايد الطلب يوما بعد يوم على تعليم العربية لغير أهلها في الغرب والشرق، وليس في النظريات والأطر والمناحي والمداخل والطرائق – فهي كثيرة وارفة الظلال لمن شاء أن يتفيأها. إنما التحدى هو في وجود المعلم الماهر الحاذق المخلص المقدام لتجربة الجديد وتبليغ اللغة لأهل الأرض جميعا.

المراجع:

اولا: المراجع العربية

إبراهيم أنيس.(1987). من أسرار اللغة. ط 7. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.

إبراهيم مصطفى (1937). إحياء النحو. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة.

ابن مضاء الله. (1947) الرد على النحاة. تحقيق شوقي ضيف. القاهرة: دار المعارف.

ابن هشام. (1985). مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب. ط 6. تحقيق مازن المبارك. بيروت: دار الفكر.

أحمد أمين.(1956). فيض الخاطر. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.

حسان تمام. (1973).  اللغة العربية معناها ومبناها. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب

رشيد رضا.(2006).  تاريخ الأستاذ الإمام. ج 1.  ط 2.  القاهرة: دار الفضيلة.

شوقي ضيف.(1998).  تجديد النحو. القاهرة: دار البلاغ للصحافة والطباعة والنشر

عبد القاهر الجرجاني.(1991).  أسرار البلاغة. تحقيق: محمود شاكر أبو فهر. القاهرة: مكتبة الخانجي.

عمر عكاشة.(2003). النحو الغائب: دعوة إلى توصيف جديد لنحو اللغة العربية في مقتضى تعليمهالغير الناطقين بها. عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

نايف خرما وعلي حجاج. (1988).  اللغات الأجنبية تعليمها وتعلمها. الكويت: عالم المعرفة. العدد .126

ثانيا المراجع الأجنبية:

 

Abdellah. A. (2012). Foreign language teaching strategies followed by Muslim religious scholars- analysis and implications. Paper presented at the Azad Oxford University conference on Islamic Scholasticism. Dubai, April 2012.

Al Haumaidi , M. (2013). Communicative language teaching.  [Online article]. Retrieved, 13 March 2013. http://faculty.ksu.edu.sa/alhumaidi/Publications/Communicative%20Language%20Teaching.pdf

Anthony, E. M. (1963). Approach, method and technique. English Language Teaching, 17: 63-7.

Asher.  J. (1969). The total physical response approach to second language learning. Modern Language Journal 53: 3-7.

Auerbach, E. (1986). Competency-based ESL: One step forward or two steps back? TESOL Quarterly  20 (3); 411, 430.

Bailey, C. (2010). Language Teacher supervision, A Case-based Approach. Cambridge: Cambridge University Press.

Bandler, R. & Grinder, J. (1982). Reframing: NLP and the transformation of meaning. Utah: Real People Press.

Chomsky, N. (1957). Syntactic Structures. The Hague: Mouton.

Chomsky, N. (1965). Aspects of the Theory of Syntax. Boston: MIT Press.

Christison, M. 1997. An introduction to multiple intelligences theory and second language learning.  In J. Reid (ed.), Understanding learning styles in the second language classroom. Englewood Cliffs, NJ.: Prentice Hall/ Regents. 1-14

Coleman, D. (1995). Emotional Intelligence: why it can matter more than IQ. New York: Bantam

Gardner, H. (1985). Frames of mind: the theory of multiple intelligences. New York: Basic Books.

Grandin, J. (1993). The university of Rhode Island’s international Engineering  Program. In M. Krueger and F. Ryan (eds.), Language and Content. Lexington, Mass.: D.C. Heath. 57-79.

Howatt, A. P.  R.  (1984). A History of English Language Teaching. Oxford: Oxford University Press.

Hymes, D. (1972). On communicative competence. In. B. Pride and J. Holmes (eds.), Sociolinguistics, pp. 269-93. Harmondsworth: Penguin.

Kelly, L. G. (1969). 25 Centuries of Language Teaching. Rowley, Mass.: Newbury House.

Krashen. S. (1981). Second language acquisition and second language learning. Oxford: Pergamon.

Larsen-Freeman, D. (1997). Chaos / complexity science and second language acquisition. Applied Linguistics, 18, 141-165.

Larsen-Freeman, D. (2003). Teaching language from grammar to grammaring. Boston, MA: Heinle / Cengage.

Larsen-Freeman, D. (2008). Grammaring: A TESOL Virtual Seminar. [online PowerPoint presentation]. Retrieved 11 March 2013. http://econnex.modevity.net/thomson/Documents/Grammaring%20-%20Diane%20Larsen-Freeman/TESOL%20Grammaring–Larsen-Freeman–May2008%20-%20FINAL.pdf

Lewis, M. (2000). Learning in the lexical approach. In M. Lewis (ed.), Teaching collocation: further developments in the lexical approach. London: Language Teaching Publications. 10-27.

Moulton, W. (1963). What is structural drill? International Journal of American Linguistics 29 (2): 3-15.

Nattinger, J. & DeCarrico, J. (1992). Lexical phrases and language teaching. Oxford: Oxford University Press.

Revell, J. & Norman, S. (1997). In your hands: NLP in ELT. London: Saffire Press.

Revell, J. & Norman, S. (1999). Handing over: NLP-based activities for language learning. London: Saffire Press.

Richards, J. & Rodgers, T. (2001). Approaches and Methods in language teaching. (2nd ed.). Cambridge: Cambridge University Press.

Richards, J. & Rodgers, T. (2005). Approaches and Methods in language teaching. (2nd ed.). Cambridge: Cambridge University Press.

Rigg, P. (1991). Whole language in TESOL. TESOL Quarterly 25(3): 521-542.

Rodegers . T. (2001). Language Teaching Methodology. [online article]. Retrieved 12 March 2013.  http://www.cal.org/resources/digest/rodgers.html

Rylatt, A. & Lohan, K. (1997). Creating training miracles. Sydney: prentice Hall.

Schenck , E. (1978). A Guide to identifying high school graduation competencies. Portland, Oreg.: Northwest Regional Educational Laboratory.

The Quranic Arabic Corpus. (2013).Noble Quran Website. Retrieved 10 March 2013. http://pinterest.com/alexaundrea/noble-quran/

Titone, R. (1968). Teaching Foreign Languages: An Historical Sketch. Washing-ton, D.C.:  Georgetown University Press.

Wesche, M. (1993). Discipline-based approaches to language study: Research issues and outcomes. In M. Krueger and F. Ryan (eds.), Language and Content. Lexington, Mass.: D.C. Heath. 80-95

Widdowson, H. (1979). The communicative approach and Its applications. In H. Widdowson, Explorations in Applied Linguistics. Oxford: Oxford University Press

Willis, J. (1990). The lexical syllabus. London: Collins COBUILD.

Woolard, G. (2000). Collocation-encouraging learner independence. In M. Lewis (ed.), Teaching  Collocation: further developments in the lexical approach. London: Language Teaching Publications. 28-46.

 

 

 

 

 

 

[*]  أستاذ مشارك مناهج اللغة الإنجليزية وطرائق تدريسها وعلم اللغة التطبيقي، بجامعة جنوب الوادي بمصر وجامعة طيبة بالمدينة المنورة.

[†]  في هذه الدراسة التزمنا بترجمة المصطلحات التالية تجنبا للتداخل بين الترجمات المختلفة لها:

الطريقة Method / Way

الأسلوب Technique

المدخل  Approach

المنهج Curriculum

المنهاج Syllabus

[‡] مصطلح المفهومات والمستوعبات من ترجمتنا للفظ الأنجليزي intake وuptake  على التوالي.  ويقصد بالمفهومات: الاستبصار بالمدخلات اللغوية وفهمها، أما المستوعبات: فهي القدرة على تذكر المدخلات واستخدام المفهومات في مواقف أخرى مشابهه بعد فترة من الزمن. (أنظر كاثلين بيلي، الإشراف على معلم اللغة: مدخل دراسة الحالة، 2010)

[§]  وأحسب أننا أول من استخدم  مصطلح “تداولية القواعد” ترجمة لمصطلح فريمان Grammaring


اترك تعليقاً